الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
خان الشيلان ومتحفه من الرموز التراثية في النجف خلال ثورة 1918

بواسطة azzaman

مشاهدات من العراق (5)

خان الشيلان ومتحفه من الرموز التراثية في النجف خلال ثورة 1918

رعد أبو كلل الطائي

 

خان الشيلان هو من الخانات التراثية المهمة في محافظة النجف الأشرف، من المعالم الشاخصةَ والتأريخية والآثارية، والذي يُعرف اليوم بمتحف التراث النجفي وثورة العشرين ، إذ شهِدَ هذا الخان العديد من الأحداث السياسية وأنتفاضات أبناء المدينة بوجه القوات العثمانية والأحتلال البريطاني حتى أصبح مقراً للحكومة المحلية التي تم تأسيسُها من قبل أبناء المدينة المجاهدة، في فترة الأعوام 1915- 1917 ميلادية، وكان الخان مقراً وشاهداً لأنطلاق الشرارة الأولى لثورة العشرين، وأسر العديد من الجنود البريطانيين الغزاة فيهِ، فأضحت جدرانهُ تحكي قصص ووثائق تأريخية مهمة، فالخان الذي أصبح متحفاً يروي تلك الحكايات، ويحوي مبنى الخان الذي تُقدر مساحته الكلية حوالي 2000 م2 وأرتفاعه 12م2، على طابقين، الأول يضُمُ عدداً من الغرف المتداخلة التي تُعرض فيها اليوم مجموعة من المقتنيات، والثاني يشمُل بعض آثار الأسرى على الجدران، زيادةً على عددٍ من الوثائق التأريخية المهمة، ويتوسط الباحة نصب تذكاري لأحد الثوار النجفيين يحمل بإحدى يديهِ الفالة، وفي الأخرى المكوار، وهي بعض الأسلحة التي أستخدمها ثوار ثورة النجف الأشرف وثورة العشرين الخالدة أنذلك. ولقد تم إعادة تأهيلهِ كمتحف تُراثي لثورة العشرين وتُراث مدينة النجف الأشرف، ويحتوي الخان مُقنيات تُراثية متنوعة من الأسلحة والحُلي والأواني المنزلية النُحاسية، ويضُمُ قاعةً خاصة (بانوراما)، تُجسد معركة ثورة العشرين. ولقد كان المبنى معسكراً لجيش الدولة العثمانية، وبعد قيام ثورة العشرين في 30 تموز عام1920 ميلادية، أصبح معتقلاً للأسرى الأنكليز الذين وقعوا في قبضة الثوار، وبُنيَّ وشُيدَ خان الشيلان في آواخر حُكم الدولة العثمانية عام 1899 ميلادية لأجل أستضافة الزوار القادمين إلى مدينة النجف الأشرف، إلا انه لم يؤدِ الغرض الذي بُنيَّ من اجلهِ بسبب سيطرة الجيش البريطاني عليه، وأتخاذهِ مقراً لهم عام 1914 ميلادية.

جولة في الخان

تجولتُ في باحة خان الشيلان بَعدَ دخولي من بوابته الكبيرة المُطلة على شارع الخورنق، لأتعرفّ عما يضمُهُ هذا الخان، وكانت بداية جولتي ان التقيتُ بمديرهِ د. حمزة الخالدي والذي أخذنا بحديثهُ إلى قرنٍ مليء بالأحداث وتأريخ مدينةٍ ناضل أبناؤها في سبيل الحفاظ على كرامتِها وعزِها، وعن بداية تأسيس هذا الخان استهلَ الخالدي

حديثهُ قائلاً :

إن خان الشيلان الذي بُنيَّ أواخر العهد العثماني، ونتيجةً للأحداث التي حرت في المدينة، ومنها بدايات التدخُل البريطاني وقيام عُدة انتفاضات من قبل أهالي مدينة النجف الأشرف، وأهمها الأنتفاضة التي جرت في عام 1915 ميلادية، أو ما يُطلق عليها بحركة الشمرت والزكرت التي كانت توحد هذين الندين المتصارعين عند الشدائد والمحن، فكانوا يُنضمونَ صفوفهم عندما يرومون مضايقة القوات البريطانية، أو الدرك العثماني، وأمام أحد أواوين الخان الكبيرة أشار د. حمزة : إن هذا المكان أستغلهُ الحاكم العثماني لِكُبر حجمهِ وسعةّ مساحته، يُعدُ من أبرز المعالم في ذلك الوقت، فأصبحَ مقراً للحكومة العثمانية ومن خلال هذا، اصبحَ الخان مقراً لمدينة النجف الأشرف في الحُقبة الممتدة من عام 1915 - 1920 ميلادية، ولهذا المكان كذلك حدث مُهم، وهو أعتقال مجموعة من الأسرى البريطانيين وبحدود 167 أسيراً، منهم من هوَ برتبة ضابط وعددهم أثنان، ومن هنا تم تكوين جمعية حقوق الإنسان، وقبلها جمعية رعاية الأسرى، وبقوا في الأعتقال بحدود أربعة أشهر، وما تزال كتاباتُهم ورسوماتهم وعناوينهم موجودة في الطابق العلوي للخان، وفي معرض حديثه عن رمزية وأهمية هذا المكان (الخان)، يُذكرنا الخالدي بأهزوجةٍ كانت مُنتشرةٌ بين أهالي النجف القدُماء تقول : (ألما يزور الشيلان عُمرُهُ خسارة)، والتي قالها الشاعر النجفي الشعبي والمجاهد إبراهيم أبو شبع، موضحاً سبب إطلاق الأهزوجة قائلاً : إن هذا المكان إبانَ الإحتلال البريطاني، أصبح سجناً للوطنيين الذين يُناهضون الحكم البريطاني، وكان الخان مُميزاً من حيث كُبرِهِ وطِرازهِ وسراديبهِ، والشاعر قال أهزوجته بعدَ ان أنهى فترة سجنه، وأرادَ منها ان كل من يُناضل ضدَ الأحتلال عمرُهُ خسارة.

الرمزالمقاومة

ومن الخان أنطلقت شرارة ثورة العشرين في النجف الأشرف، والتي سبقتها  نشوب الثورة النجفية في عام1918 ميلادية، والتي تعرضت للفشل، وتم أعدام أحدَ عشرَ زعيماً من زعماء الثورة، وأُبعدَ العشرات من قياداتها كذلك  قسوة الحكم البريطاني ضد الشعب، وبعد انقضاء تلك الأحداث ومرور عدة سنين تعرض المكان إلى الأهمال، وقامت هيأة الآثار ومجموعة من أبناء العراق الخيرين في عام 2010 ميلادية بالأهتمام به، وإعادتهِ بشكل كامل بعد ترميمهِ وبناء الأجزاء المُهدمة منهُ، لكونهِ يُعتبر مرآة لحضارة وتأريخ وتراث العراق، وحالياً تؤمهُ اعداد كبيرة من الزائرين الأجانب والعرب والعراقيين .

بانوراما

ويقول مسؤول الإعلام في متحف الخان علاء الرفيعي، لقد جسدتّ ثورة العشرين من خلال بانوراما رُسمتّ على جدار قاعة المتحف، بَعدَ إعادة ترميمها بنفس الطراز السابق، وتتضمن هذه البانوراما إنطلاق الثورة منذُ عام 1918 ميلادية، والأحداث التي جرتً من مقتل مأمور المركز، وإخراج شعلان أبو الجون من السجن، والإستيلاء على القطار الذي كان مُحملاً بالأسلحة والذخائر، وتمتّ إعادة ترميم الخان مع الحفاظ على معالمهِ من الأجزاء غير المُهدمة، فهو مبنيٌ بأشكال متناظرة، فالجزء الشمالي بنفس طراز وشكل الجزء الجنوبي، والجزء الشرقي بنفس طراز وشكل الجزء الغربي، علاوةً على الأستعانة بخبراء الآثار واستخدام المواد البسيطة من الفرشي والجُص التي بُنيَّ فيها الخان سابقاً، ولقد روعيَ في بنائهِ بطريقة هندسية على شكل أطواق خالية من مواد التسليح التي تستخدم حالياً باعتمادها على الركائز، ويُتابع حديثهُ بالقول : يحتوي الخان على قاعات عديدة استخدمت حالياً كمعرض لثورة العشرين منها، قاعات المنسوجات التي تحتوي على الألبسة النجفية ومناطق الفرات الأوسط السابقة والحالية، وقاعة أخرى تحتوي على أسلحة ثورة العشرين، قـدمتّ كهدايا للمتحف من عدد من الشيوخ والسادة، وقاعات للنُحاسيات والأدوات المنزلية التي صُنعت يدوياً والحِليّ النسائية و الملابس والنقوش .

أما الأكاديمي والعضو السابق في مديرية تُراث النجف الأشرف د، أمير الخالدي فيقول : ان خان الشيلان هو من المؤسسات المهمة ليس في النجف فقط وإنما في العراق والوطن العربي والإسلامي، بسبب الأحداث التي شهدها وخاصةً ثورة العشرين التي حررت العراق من الإحتلال البريطاني .

أقسام المتحف التُراثي

وخلال وجودي في المتحف، وجدتهُ مُقسماً إلى قسمين، القسم الأرضي وفيهِ 22 غُرفة، فضلاً إلى الأواوين الكبيرة والتي تضُمُ مقتنيات مدينة النجف، ومُدن الفرات الأوسط وغيرها، ومنها تشكيلات من الملابس التي كانت تُلبس آنذاك، والأسلحة التي كانت تُستخدم، فضلاً إلى بعض الحُليّ، والأدوات التي كانت تُستعمل، أما الأيوان الشمالي للخان وهو الأيوان الكبير ففيه، بانوراما مؤثرة وجميلة جداً، تحكي بداية إنطلاق الشرارة الأولى لثورة العشرين إلى وقوع الأسرى الأنكليز في خان شيلان، ويُفتح بابهُ اليوم للزائرين، لتعريفهُم بتأريخ و ذاكرة هذه المدينة، وقوة

وبسالة أبنائها ضد الطامعين والمحتلين، أما الطابق العلوي ففيهِ، مجموعة من الوثائق المهمة والكبيرة التي تم الحصول عليها من الأرشيف العثماني، علاوةً على الأرشيف البريطاني. وهذه الوثائق هي من ثورة 1915 ميلادية إلى الحكومة المحلية زيادةً إلى ثورة العشرين، ومراسلات المرجعية الدينية، مع زعماء العشائر والوجهاء والمجاهدين من شمال العراق إلى جنوبهِ، علاوةً إلى مخطاطات الثوار من ثورة العشرين من خلال المعارك .

الحركة السياحية

ورُغمَ ما يحمل هذا الخان من تأريخ طويل مما جعلهُ متحفاً للمدينة فإن عدداً من المهتمين بالآثار والتُراث يرون بأن الأهتمام بالأماكن التُراثية سيُسهم في تطوير السياحة، وتذكير الأجيال بتأريخ مدينتهم، إذ يوضح د. عبد الهادي الأبراهيمي، حول الحركة السياحية بمُجملِها في النجف الأشرف بقولهِ : إن حركة السياحة غير جيدة وغير مُفرحة وسبقَ ان تطرقنا في عددٍ من وسائل الإعلام إلى مشاريع لتطوير السياحة و الآثار، لكننا والقول للإبراهيمي، لم نجد من يسمع لهذا الأمر، إذ أقترحنا في وقت سابق ان يكون هذا المكان الذي يضُمُ خان الشيلان وإعدادية الخورنق رُكناً تقافياً، بأعتبار إن آثار سور النجف القديمة موجودة أيضاً خلف الخان، وخلف إعدادية الخورنق، وبعدَ أن يتم أستملاك الفنادق والمحلات الموجودة، وتعويض اصحابِها يتُم أظهار السور بشكل لائق بتأريخ هذه المدينة الحاضرة

بعُمق التأريخ الإنساني وفعلُهُ الحضاري ويُمكن أن يُرافق هذا المشروع الثقافي والتُراثي، إحياء بعض البيوت التُراثية، كالزورخانه القديمة الموجودة آثارها لحد الآن، ولإظهار هذه الشواخص والمعالم التُراثية بشكل بارز يجب إزالة عمارة البلدية، ليُخرج خان الشيلان من مخبئهِ هذا، مُطلاً على ساحة الميدان، وبهذه الحالة ستكون لدينا مدينة اشبه بمدينة النجف القديمة المُصغرة، فتكون موقع جذب السياح، ويقول د. الأبراهيمي : أتمنى ان يكون هذا الآمر الذي طالبنا به كمقترح بمثابة قفزة نوعية في المحافظة على مستوى التُراث، مُضيفاً جمالية كبيرة للمدينة، فضلاً عن كونهِ ثقافة مجتمعية بالنسبة للأجيال المُقبلة، وهذه واحدةّ من فوائد التطوير العمراني في المحافظة على صعيد التُراث والمشاهد التاريخية المُضيئة، ليعلم الأجيال بذاكرة المدينة لأنهم جُزءٌ منها، وعلى

اعتبار أن النحف الأشرف هي من الحواضر الإسلامية القديمة، ويرجع تأريخُها الحضاري إلى ما قبل الإسلام، فعلى

الجميع التكاتف والتعاون لتطوير ما خبأهُ الزمن من كنوز تحكي قُصص المجد والرُقي الإنساني، وقيمِها الفاضلة والفاعلة في حركة التطور الإنساني منذُ آلاف السنين وإلى يومنا هذا، في أرض هي مركز الكون، إذ بُنيت الحضارة الإنسانية في بواكيرها .

ختاماً أقول :

يُفتتحً الخان يومياً للزائرين، ويحتوي الخان على مكتبة كبيرة مُتخصصة في التُراث والآثار والتأريخ، تُفيد طلبة الدراسات العُليا، والباحثين والمهتمين، فيما يشهد الخان سنوياً احتفالاً كبيراً ترعاهُ وزارة الثقافة والسياحة والآثار لمناسبة ذكرى ثورة العشرين العراقية، ويحتضن المتحف كل يوم سبت أصبوحات أسبوعية ثقافية مختلفة، بالتعاون بين مُثقفي المحافظة، ومنظمات المجتمع المدني، ومنها إقامة (شارع الخورنق الثقافي)، على غِرار شارع المتنبي في بغداد .

 

 


مشاهدات 22
الكاتب رعد أبو كلل الطائي
أضيف 2026/08/29 - 2:16 AM
آخر تحديث 2026/08/29 - 3:03 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 225 الشهر 38012 الكلي 16127716
الوقت الآن
السبت 2026/8/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير