الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
فيروز.. بين الجوهرة والأغنية

بواسطة azzaman

فيروز.. بين الجوهرة والأغنية

صوت يرافق نسمات الصباح وحجر كريم بلون البحر

محمد خضير الأنباري

 

تحملُ كلمةْ فيروز في طياتها أكثر منْ معنى، فهيَ اسم، إذا سمعَ في عالمِ الغناءِ استحضرَ صوتا ملائكيا تركَ أثره في قلوبِ الملايينِ هوَ صوتُ المطربةِ اللبنانيةِ الكبيرةِ (فيروز) ، إذا ذكرَ في عالمِ الأحجارِ والمجوهرات، حضرَ حجرا كريما بلونِ البحرِ والسماء، وإذا جلتْ في أسواقِ التراثِ وأزقته العتيقة، حضرتْ المسبحة والقلادة والقطعة النفيسة، التي يتباهى بها أصحابُ الذوقِ الرفيع.

في سبعينياتَ وثمانينياتَ القرنَ الماضي، كانتْ الصباحاتُ العراقيةُ، تحملُ نغمةً خاصة، حينَ كانَ الناسُ تتجهُ إلى أعمالها، حيثُ تستقلُّ سيارات الكوستر في طريقها إلى أعمالها أوْ الكليات، فإذا بصوتٍ ينسابُ من جهازِ التسجيل، فيملأُ المكانَ دفئًا ويُبدِّدُ صمتَ الطريق فتصدحُ أغاني الصباحِ فيروز، بباقةٍ منْ الأغاني التي أصبحتْ جزءا منْ ذاكرةِ الناس: حبستْ بالصيف، حببتك بالشتي، وغيرها منْ الروائع.

أحببنا الأغانيَ وموسيقاها قبلَ أنْ نعرفَ الاسم، وعشقنا الصوتَ قبلَ أنْ ندركَ قيمةَ صاحبه، كانتْ فيروز حالة لا تشبهُ غيرها؛ صوتا يرافقُ القهوةَ الصباحية، ونسمةَ الشتاء، وحنين المساء. إنَ فيروز ليستْ صوتا فقط؛ فالاسمُ أقدم منْ الأغنية، ولهُ حكاية أخرى في عالمِ الجمالِ والزينة، فالفيروز، حجر كريم معروف منذُ آلافِ السنين، يتميزُ بلونهِ الأزرقِ المائلِ إلى الأخضر، ارتبطَ عندَ كثيرٍ منْ الحضاراتِ بالفخامةِ والحمايةِ والجمال، وهي كلمةٍ فارسيةٍ تعني (النصر أوْ الظفر ) ، ومنها انتقلَ إلى لغاتٍ أخرى، فأصبحَ رمزا للبهاءِ والقيمة.

في أسواقِ بغدادَ التراثية، وبينَ أصحابِ التحفِ والمسبحاتِ القديمة، كانَ للفيروز مكانةً خاصة، ففي شارعِ الرشيدِ وساحةِ الميدانِ وفروعهما ومحالِ الكرادة في بغداد، وغيرها في مدنِ العراقِ المختلفةِ التي تفوحُ منها رائحةُ التاريخ، كانتْ تسمعُ عباراتٍ مثل: هذهِ سبحةُ فيروز « أوْ « هذهِ قلادةْ فيروز، وكأنَ الاسمَ وحدهُ يكفي؛ ليمنحَ القطعةَ هيبة ومكانة، فالمسبحةُ المصنوعةُ منْ الفيروز، ليستْ مجرد حباتٍ تعد، بلْ قطعة تحملُ روح الماضي وذوق منْ اقتناها.

تعد قلادةُ الفيروز منْ الهدايا التي تحملُ معنى المحبةِ والتقدير؛ تهدى للزوجِ أوْ الابنةِ أوْ العزيزة، أما في عالمِ الثراءِ والمجوهرات، فقدْ يدخلُ الفيروز في عقودٍ منْ الذهب، فيقال: ذهبَ مطعم بالفيروز، فيجتمعُ بريقُ المعدنِ النفيسِ معَ سحرِ الحجرِ الأزرق. هنا يلتقي المعنيانِ الجميلان: فيروز الصوت، وفيروز الحجر، كلاهما نادر، وكلاهما يتركُ أثرا لا ينسى، فالصوتُ الفيروزيُ يزينُ الذاكرةَ كما تزينُ جوهرةُ الفيروز عنقَ منْ ترتديها، والأغنية الخالدة تشبهُ الحجرَ الكريم؛ قدْ تمرُ عليها السنواتِ لكنها لا تفقدُ بريقها، ربما تتغيرُ الأسماءُ والمسميات، وتختلفُ طرقُ اقتناءِ الأشياءِ الثمينة، لكنْ يبقى الفيروز، في كلِ صورهِ عنوانا للجمال: فيروز الأغنية، وفيروز القلادة.


مشاهدات 129
الكاتب محمد خضير الأنباري
أضيف 2026/07/19 - 3:16 PM
آخر تحديث 2026/07/20 - 7:26 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 887 الشهر 21744 الكلي 15926871
الوقت الآن
الإثنين 2026/7/20 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير