الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الجماهير والسلطة وصناعة الواقع

بواسطة azzaman

الجماهير والسلطة وصناعة الواقع

معتصم الصالح

 

لم تعد السلطة السياسية في العصر الحديث تعتمد على القوة المادية وحدها، بل أصبحت تعتمد كذلك على القدرة على التأثير في وعي الناس، وتوجيه مشاعرهم، وتحديد ما يرونه حقيقة وما يعدّونه وهمًا. وبينما كان الحاكم في العصور القديمة يفرض سلطته بالسيف والجيش، صار الحاكم أو النظام السياسي المعاصر يعتمد أيضًا على الصحافة والتلفاز ومنصات التواصل الاجتماعي والخوارزميات. ومن هنا تبرز أهمية أفكار ثلاثة مفكرين تناولوا العلاقة بين الجماهير والسلطة والإعلام من زوايا مختلفة: غوستاف لوبون، ونعوم تشومسكي، وجان بودريار.

ينطلق غوستاف لوبون في كتابه «سيكولوجية الجماهير» من تحليل الطبيعة النفسية للجماعة. فالفرد، عندما ينضم إلى جمهور واسع، قد يفقد جزءًا من استقلاله العقلي، ويصبح أكثر قابلية للانفعال والتقليد والتأثر بالشعارات والصور القوية. ويرى لوبون أن الجماهير لا تتحرك عادة وفق المنطق الهادئ، بل تستجيب للعاطفة والخوف والحماسة والهيبة. ولهذا تنجذب، في كثير من الأحيان، إلى القائد الذي يظهر بمظهر القوة والثقة والحسم.

وفق هذا التصور، لا تحتاج السلطة إلى إقناع الجماهير بأفكار معقدة، بل يكفيها أن تقدم لها رمزًا قويًا، وعدوًا واضحًا، وشعارًا سهلًا، ووعدًا بالخلاص. فالقائد الذي يرفع صوته ويستعرض قوته قد يكون أكثر تأثيرًا من المفكر الذي يقدم الحجج والبراهين. وتبدو السياسة هنا مسرحًا نفسيًا، يكون فيه الانفعال أقوى من العقل، والصورة أقوى من الحقيقة.

غير أن لوبون لا يوضح بصورة كافية كيف تُنتج المؤسسات الحديثة هذه المشاعر، ومن الذي يحدد القضايا التي تغضب منها الجماهير أو تخاف بسببها. وهنا يأتي دور المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي، الذي ينقل التحليل من نفسية الجماهير إلى بنية الإعلام والسلطة.

يرى تشومسكي أن المجتمعات الحديثة، وخصوصًا الديمقراطيات الغربية، لا تستطيع الاعتماد دائمًا على القمع المباشر. ولذلك تلجأ إلى وسائل أكثر هدوءًا وفاعلية، مثل التحكم في تدفق المعلومات، وانتقاء الأخبار، وترتيب الأولويات، وتحديد حدود النقاش العام. فالناس قد يشعرون بأنهم أحرار في التعبير، لكنهم في الواقع يناقشون القضايا التي سمحت وسائل الإعلام بوصولها إلى الواجهة، ويتحركون داخل نطاق من الآراء التي لا تهدد المصالح الأساسية للقوى المهيمنة.

بعض الحقائق

ومن هذا المنظور، لا يُطلب من الإعلام أن يكذب بصورة مستمرة، بل يكفي أن يختار بعض الحقائق ويهمل حقائق أخرى. فقد يسلط الضوء على حدث صغير، بينما يتجاهل حدثًا أكبر؛ وقد يكرر رواية سياسية حتى تبدو بديهية؛ وقد يعرض ضحايا طرف معين بتفصيل إنساني مؤثر، في حين يحول ضحايا الطرف الآخر إلى أرقام مجهولة. وبهذه الطريقة تُصنع موافقة الجمهور، لا من خلال أمر مباشر، بل من خلال تشكيل البيئة الذهنية التي يفكر داخلها.

إذا كان لوبون يسأل: لماذا تنجذب الجماهير إلى القوة؟ فإن تشومسكي يسأل: من يصنع صورة القوة، ومن يحدد الموضوع الذي تنشغل به الجماهير؟

أما الفيلسوف الفرنسي جان بودريار، فيذهب إلى مرحلة أبعد. فهو لا يرى أن الإعلام يكتفي بالتأثير في فهم الناس للواقع، بل يعتقد أنه قد يصنع واقعًا بديلًا قائمًا على الصور والرموز. في المجتمع المعاصر، قد تصبح الصورة الإعلامية أكثر تأثيرًا من الحدث الحقيقي، وقد يعرف الناس الحرب من خلال اللقطات التلفزيونية، والسياسة من خلال المقاطع القصيرة، والقادة من خلال صورتهم المصممة، لا من خلال أفعالهم الفعلية.

لهذا قال بودريار إن «حرب الخليج لم تحدث»، ولم يكن يقصد أن القصف والقتل والدمار لم تقع، بل كان يقصد أن الحرب التي شاهدها الجمهور عبر الشاشات لم تكن الحرب نفسها، وإنما نسخة إعلامية مصممة منها. فقد ظهرت الحرب وكأنها عرض تقني نظيف، مليء بصور الطائرات والصواريخ والخرائط، بينما اختفت إلى حد كبير معاناة البشر والدمار والخوف. وهكذا أصبح المشهد الإعلامي يحل محل الواقع.

وفق بودريار، قد لا يكون السؤال الأهم: هل الخبر صحيح أم كاذب؟ بل: هل ما نراه يمثل الواقع أصلًا، أم أنه واقع جديد صنعته الشاشات؟ فقد ينتشر مقطع قصير لا يعرض سوى ثوانٍ من حدث طويل، لكنه يصبح في وعي الناس الحقيقة الكاملة. وقد تتحول شخصية سياسية ضعيفة في الواقع إلى رمز هائل بفضل التكرار الإعلامي، أو يتحول حدث محدود إلى قضية عالمية بسبب انتشاره الرقمي.

يمكن جمع أفكار المفكرين الثلاثة في قراءة واحدة لعصر وسائل التواصل الاجتماعي. فـلوبون يساعدنا على فهم سرعة انتشار الخوف والغضب والحماسة داخل الجماهير الرقمية. وتشومسكي يساعدنا على فهم الدور الذي تؤديه المؤسسات والشركات والمنصات في ترتيب الأخبار وتوجيه الاهتمام.

أما بودريار فيساعدنا على إدراك أن ما نشاهده على الشاشة قد لا يكون مجرد وصف للواقع، بل نسخة مصنوعة منه قد تحل محله.

فعندما ينتشر خطاب سياسي متطرف على منصة اجتماعية، يمكن تحليله بثلاث طرق. من زاوية لوبون، ينجح الخطاب لأنه يخاطب الغرائز والمشاعر، ويقدم قائدًا قويًا وعدوًا واضحًا. ومن زاوية تشومسكي، ينبغي البحث عن الجهات التي تملك القدرة على نشر الخطاب وتمويله وتكراره، وعن المصالح التي تستفيد من توجيه الجمهور. ومن زاوية بودريار، يصبح الخطاب جزءًا من عالم من الصور والرموز قد يكون منفصلًا عن الوقائع المادية، لكنه مع ذلك يؤثر في سلوك الناس وقراراتهم.

ومع ذلك، توجد اختلافات أساسية بين هؤلاء المفكرين. لوبون يميل إلى النظر إلى الجماهير بنوع من التشاؤم، وكأنها بطبيعتها غير عقلانية وسريعة الانقياد. أما تشومسكي فلا يحمّل الجمهور المسؤولية وحده، بل يركز على المؤسسات التي تتحكم في المعلومات وتدافع عن مصالح اقتصادية وسياسية. في حين يرى بودريار أن المشكلة أعمق من التضليل المباشر؛ لأن الإنسان المعاصر قد يعيش داخل عالم من المحاكاة والصور يصعب فيه الفصل بين الحقيقة وتمثيلها.

عناصر ثلاثة

إن الخطورة السياسية الكبرى تبدأ عندما تجتمع العناصر الثلاثة: جمهور منفعِل، وإعلام موجَّه، وصورة مصطنعة تحل محل الواقع. عندئذٍ يستطيع القائد أن يبدو قويًا حتى لو كان عاجزًا، ويمكن للحرب أن تبدو عادلة حتى لو كانت مدمرة، ويمكن للضحية أن تظهر مجرمًا، وللمعتدي أن يظهر منقذًا. ولا تعود السياسة صراعًا على القرارات فقط، بل تصبح صراعًا على المعنى، وعلى الصورة، وعلى حق تعريف الحقيقة.

وفي النهاية، تكشف أفكار لوبون وتشومسكي وبودريار أن حماية المجتمع لا تتحقق بمجرد منح الناس حرية الكلام، بل تحتاج أيضًا إلى وعي نقدي يساعدهم على فهم كيفية التأثير فيهم. فالجمهور الذي لا يدرك قوة العاطفة قد يصبح أسيرًا للشعارات، والجمهور الذي لا يفهم بنية الإعلام قد يظن أن ما يراه هو كل الحقيقة، والجمهور الذي لا يميز بين الواقع والصورة قد يعيش داخل عالم مصطنع دون أن يشعر.

لذلك فإن الحرية السياسية الحقيقية لا تعني أن يستطيع الإنسان الكلام فقط، بل أن يستطيع معرفة من يحدد موضوع كلامه، ومن يصنع الصور التي يراها، ومن يستفيد من خوفه وغضبه وتصديقه. وعند هذه النقطة يلتقي المفكرون الثلاثة، رغم اختلافهم: فالسلطة لا تحكم الأجساد وحدها، بل تسعى قبل ذلك إلى حكم الخيال والوعي والصورة.

 


مشاهدات 36
الكاتب معتصم الصالح
أضيف 2026/07/18 - 12:56 AM
آخر تحديث 2026/07/18 - 1:53 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 147 الشهر 18685 الكلي 15923812
الوقت الآن
السبت 2026/7/18 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير