الملك فيصل الثاني وخبز الطابك
نعيم عبد مهلهل
يسأل شغاتي (1910 ـ 1978)، موظف الخدمة في مدرستنا، يسأل المندائي العرّاف (زهرون) الذي كان يزور قرى المعدان في موسم الربيع من أجل التطبيب والعرافة وبيع الخواتم والأساور الذهبية والفضية، ومداواة الأسنان وتصليح المناجل وبيع الحبال الغليظة لتهدئة الجواميس عندما تحرن وتهيج وتغضب لسبب غامض لم يفهمه المعدان إلى اليوم، لكني كنت أظن أن مزاجها يصبح سيئًا من أثر تراكم ضربات (الشومية) الثخينة على مؤخراتها.
وكان السؤال هو: إن جاره (غافل عفلج) جاء له في الطيف وقال له: يا شغاتي، الملك فيصل الثاني جوعان ويشتهي خبز الطابك.يقول شغاتي: رددت على غافل: الملوك لا يأكلون الطابك بل الخراف المحشية ولحم الغزال.
قال غافل: أنا أطعمت الملك منه ذات يوم عندما جاء يزور طواويسه وسألني: ما أطيب ما تأكلونه في الأهوار غير السمك والبط والقيمر؟
قلت له: خبز الطابك، يا مولاي.
قال: لم أسمع به، هات لي منه قطعة لإفطار رمضان، وكان الملك صائمًا. وها أنا أتيت إليك يا شغاتي لتخبز زوجتك أم مكسيم لجلالته خبزة طابك. (انتهى الحلم).
خيوط برتقالية
صَفَنَ زهرون المندائي طويلًا (وكان الوقت مساءً والشمس تبث آخر ضوء لها من نهار ربيعي طويل).
سأله شغاتي: لقد طالت صفنتُك يا زهرون؟
قال زهرون: أنتظر أول النجوم التي تبزغ، فحين يختلط ضوؤها بآخر خيوط برتقالية للشمس سيظهر التفسير، لأن الملوك أغلب أحلامهم ينبغي أن تُفسر بليل.
يرد شغاتي: ولماذا؟يقول زهرون: لأن القلق يسكن الملوك في الليل وأغلب أحلامهم قلقة.
قلت: وما علاقة هذا بجوع الملك الهاشمي وطلبه من جارنا غافل أن يجلب له خبز الطابك؟
قال: شيء من اثنين: إما هو طلب لنخوة لأن أغلب جنود الجيش العراقي كانوا من أبناء الجنوب، أو لأنه استطاب الطابك يوم عمله غافل لأول مرة وجاع الآن وهو في قبره وطلبه.
قال شغاتي: شغلة النخوة والجنود لا تعليق لدي حولها، سأسأل معلم الجغرافية بها لأني لا أفهم ماذا يقصد الملك. وأما جوع الملك، فلقد لبيته عن طيب خاطر وطلبت من زوجتي أن تعمل لجلالته خبز طابك من أجود أنواع الرز الشتال، وحين استوى سلمته إلى غافل الذي وضعه في صرة قماش وغاب في الأفق صوب جهة بغداد وكان وقت غروب.في اليوم الثاني وفي إحدى الدروس الشاغرة جاء شغاتي ليقص عليَّ حلمه وتفسير المندائي زهرون له.
قلت: أنا لست خبيرًا في تفسير الأحلام وخصوصًا ما يهم الملوك لأني من عائلة كادحة وفقيرة لا شأن لها في حياة الملوك وأحلامهم.
قال: الحلم فسره المندائي، ولكن في فقرة منه جانب سياسي.
قلت: بالسياسة أنا مضبوط.
فتحدثت له عن الذي ذكره المفسر المندائي حول نخوة الملك بالجنوب وجنوده.
تذكرت عبارة لديورانت في قصة الحضارة تقول: (سيظل الشمال وإلى الأبد، يمنح العالم القادة والحكماء، وسيبقى الجنوب وإلى الأبد يضخ للعالم المقاتلين والقديسين).
ذكرتها لشغاتي وقلت: هذا هو التفسير، هل تفهمه؟
حك رأسه وغادر المكان وقال: إن ما ذكرته لن أفهمه بعد مئة سنة. المهم أنا لبيت رغبة جاري غافل عفلج وجعلت أم مكسيم تصنع خبز الطابك من أجل الملك الهاشمي...!