الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العرض الثاني

بواسطة azzaman

العرض الثاني

سعد العبيدي

 

يدخل المهندس نبيل مكتب الدكتور عواد قبل الموعد بدقيقة. يرفع الدكتور بصره إلى الساعة، ثم يضغط زرًا صغيرًا على مكتبه. تدخل السكرتيرة في الحال. يومئ إليها بإغلاق الباب، وألا تسمح لأحد بالدخول حتى انتهاء اللقاء. يلتفت إلى نبيل مبتسمًا ويقول:

- الوقت أثمن ما نملك. تعلمت ذلك أيام الدراسة والعمل في بريطانيا، وهناك تعلمت أيضا أن الأمانة شرطٌ لأي عملٍ يحترم نفسه.

هزّ نبيل رأسه بإعجاب، وجال بعينيه في أرجاء الغرفة المترفة. لم تكن على المكتب صورة زعيم، ولا رزمة هواتف، ولا مسبحة ثمينة يتباهى بها أصحاب المناصب. كانت أمامه ملفات مرتبة بعناية، ونسخة من المصحف مغلفة بقماش أخضر، وشعار للحزب يعد العراقيين بدولة الرفاه والنزاهة، وفي الزاوية سجادة صلاة مطوية بعناية.

يدخل في الموضوع مباشرة:

لدينا مقران؛ أحدهما هنا في المنصور، والآخر في الرصافة. أريد ترميمهما وتهيئتهما قبل الانتخابات. أرجو معاينتهما اليوم، وحساب الكلفة بدقة.

يتوقف قليلًا، ثم يتابع بنبرة آمرة:

لا تبخل في نوعية المواد. اختر الأفضل، فالمال موجود، لكنني لا أحب الإسراف، ولا أقبل التلاعب.

يوم الأحد المقبل، في الثالثة تمامًا، أريد العرض على مكتبي.

يخرج نبيل من المقر، يشعر وكأنه التقى رجلًا مختلفًا. يقضي ما تبقى من النهار متنقلًا بين موقعي المنصور والرصافة، يقيس الجدران، ويدوّن الملاحظات، ويفاضل بين المواد، باحثًا عن أكثرها جودةً وأقلها كلفة. وفي مكتبه، يمضي ليلتين بين المخططات والآلة الحاسبة، يشطب رقمًا هنا، ويخفض آخر هناك، كلما وجد سبيلًا يوفر لذلك الحزب الناشئ دينارًا من غير أن ينتقص من جودة العمل.

وفي ظهر الأحد، ورغم شدة الازدحام، يصل قبل الموعد بعشر دقائق، خشية خذلان رجل جعل من احترام الوقت أول درس في التعارف. وما إن تشير الساعة إلى الثالثة تمامًا حتى يطرق الباب طرقات خفيفة، يدخل مبتسمًا، ثم يضع العرض المفصل على الطاولة، مطمئنًا إلى أنه أدى عمله بالأمانة نفسها التي سمع عنها قبل يومين.

يتناول الدكتور العرض، يقلب صفحاته بهدوء، ويتوقف عند الصفحة الأخيرة. لا يناقش الأسعار، ولا نوعية المواد. يضع الملف جانبًا، ويخلع نظارته، ثم يقول: العرض جيد... لكن الكلفة منخفضة.

يظل نبيل ينظر إليه دون أن يفهم.

يفتح الدكتور درج مكتبه، ويخرج آلة حاسبة. يضغط عليها أرقامًا قليلة، ثم يدفعها نحوه:

- أضف إلى كل فقرة ما يجعل المجموع يقارب الضعف. الحزب سيدفع، والتنفيذ الفعلي سيكون وفق عرضك الأصلي.

يتوقف لحظة، ثم يضيف بهدوء رجل اعتاد تكرار العبارة: الفرق... نتقاسمه.

يخرج نبيل ببطء. وعند الباب، يلتفت إلى اللافتة المعلقة فوق المدخل، يقرأ للمرة الأخيرة الشعار الذي أعجبه قبل يومين، ثم يبتسم ابتسامة باهتة ويتمتم:

- يبدو أن البعض يتعلمون في لندن احترام المواعيد... ويوَّدعُون الأمانة على أرصفتها قبل رحلة العودة.


مشاهدات 44
الكاتب سعد العبيدي
أضيف 2026/07/18 - 1:24 AM
آخر تحديث 2026/07/18 - 2:40 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 177 الشهر 18715 الكلي 15923842
الوقت الآن
السبت 2026/7/18 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير