الديمقراطية بين مأزق التأسيس وعجز التكيّف
أحمد فاتح محمد
إنّ قراءة الديمقراطية في الفضاء العربي، وعلى وجه الخصوص في الحالة العراقية، لا تستقيم إذا ما استعرنا أدوات التحليل الليبرالي الغربي ذاتها، والتي تفترض وجود دولة وطنية متماسكة وبنية اجتماعية نضجت من خلال صيرورة تاريخية طويلة. فإذا كانت الديمقراطية في الغرب قد واجهت أزمة «فجوة بين النموذج والواقع»، فإنها في التجربة العربية، والعراقية منها تحديداً، تواجه أزمة «التأسيس المستحيل»؛ حيث أُدخلت الديمقراطية لا بوصفها ثمرة تطور داخلي أو نضج سياسي تراكمي، بل بوصفها «هندسة فوقية» اصطدمت فوراً ببنى ما قبل الدولة.
نظام محاصصة
في العراق، لم تكن الديمقراطية التي تلت عام 2003 ممارسةً لحرية الاختيار، بل كانت «نظاماً للمحاصصة» استبطن استبداداً من نوع جديد؛ استبداداً لا يُمارس عبر الفرد (الدكتاتور) بل عبر «الجماعات» والمكونات التي تقاسمت الدولة كغنيمة. هنا، تحولت صناديق الاقتراع من أداة للتغيير وتصحيح المسار إلى وسيلة لشرعنة الانقسام وتثبيت أركان النخب السياسية القائمة. إن المفارقة الصارخة هي أن العملية الانتخابية في العراق، رغم تكرارها، لم تنتج «ديمقراطية» بمفهومها التداولي، بل أنتجت «استقراراً قلقاً» يعجز عن امتصاص الأزمات أو تحويلها إلى فرصٍ للتطوير.
وعلى خلاف النموذج الغربي الذي يمتلك قدرة على «التصحيح الذاتي»، يبدو النظام الديمقراطي في نسخته العراقية والعربية مفتقراً إلى آليات الدفاع تلك. إنّ الفشل في تصحيح المسار ليس عَرَضاً جانبياً، بل هو جزء من البنية التكوينية للنظام نفسه، الذي يخشى من أي «تغيير حقيقي» لأنه يهدد توازن المصالح الهشة. ومن ثم، نجد أن كل أزمة تنفجر في هذا النظام —سواء كانت احتجاجات اجتماعية، أو انسداداً سياسياً، أو تراجعاً في الخدمات— لا تؤدي إلى تجديد النظام أو تأقلمه، بل تزيد من وتيرة انغلاقه على ذاته وتفاقم من عزلته عن القواعد الشعبية التي فقدت الثقة في جدوى «الآلية الديمقراطية».
إنّ الديمقراطية في واقعنا العربي تعاني من «مفارقة الفراغ»؛ فهي تُمارس في غياب «دولة القانون» وفي ظل هيمنة ولاءات دون وطنية. لذا، فإنّ سؤال الديمقراطية عندنا ليس سؤالاً حول «كفاءة النظام»، بل هو سؤال جذري حول «شرعية التأسيس».
فبينما يمتلك النظام الديمقراطي الغربي القدرة على امتصاص الأزمات وإعادة إنتاج نفسه، يبدو أن النظام المطبق في العراق قد تحول إلى «سجنٍ بنيوي» يستنزف طاقات المجتمع، ويعيد إنتاج الفشل، ويفقد قدرته على التطور، ليغدو بذلك عائقاً أمام أي تحول ديمقراطي حقيقي أو تنمية سياسية مرجوة.