خطوط الزمن.. سيرة بحجم التاريخ
شوقي كريم حسن
كتاب “خطوط الزمن – سيرة ذاتية” للكاتب المفكر الدكتور ياس خضير البياتي، ليس مجرد سرد لحياة فرد، إنما هو محاولة لكتابة الإنسان بوصفه كائناً محكوماً بالزمن، ومفتوحاً على الأسئلة الكبرى التي تتجاوز التجربة الشخصية إلى التجربة الجمعية.
ما يلفت في الكتاب منذ بدايته هو أنه لا يقدّم نفسه كسيرة تقليدية تعتمد على التسلسل الزمني للأحداث، بل سيرة وعي يتشكل عبر الذاكرة، وعبر العلاقة المعقدة بين الفرد والمكان والتاريخ. منذ الصفحات الأولى يظهر أن الكاتب لا يتحدث عن “الولادة” بوصفها حدثاً بيولوجياً، بل بوصفها علامة فلسفية على بدء السؤال، كأن الصرخة الأولى ليست دخولاً إلى الحياة بل دخولاً إلى الوعي بالأسئلة: من أنا؟ ولماذا هنا؟ وما معنى أن أكون في هذا الزمن تحديداً. هذا التحول من البيولوجي إلى الفلسفي هو ما يؤسس روح الكتاب كلها.
بغداد في كتابه ليست خلفية للأحداث، إنما كيان حيّ يشارك في تشكيل الشخصية. المدينة تتحول إلى ذاكرة ممتدة، إلى طبقات من التاريخ والاختلاط الاجتماعي والسياسي والثقافي، وكأنها مرآة مضخّمة للإنسان العراقي نفسه.
فهي مرة مدينة العلم والحضارة والتعدد، ومرة أخرى مدينة الانكسارات والحروب والاحتلالات، لكنها في الحالتين لا تفقد حضورها كقوة تشكيل للهوية. العلاقة بين الإنسان والمكان، ليست علاقة وصفية، هي علاقة تكوين، لان الذات لا تنفصل عن الأزقة القديمة والمقاهي والأسواق، بل تتخلق منها.
المكان لا يُروى كديكور، لإنه جزء من الجهاز النفسي للشخصية، وهذا ما يجعل الذاكرة في الكتاب ليست ذاكرة فردية إنما ذاكرة مدينة كاملة تنعكس داخل الفرد.
انتماء اجتماعي
.يتخذ الكتاب من سؤال الهوية محوراً عميقاً يتكرر بأشكال مختلفة، خصوصاً حين يتناول الأسم، والنشأة، والانتماء الاجتماعي والسياسي.
الأسم ليس مجرد علامة لغوية، هو قدر إجتماعي قد يفتح أبواباً أو يغلقها، وقد يحمل معه حمولة تاريخية أو سياسية أو حتى أمنية كما يلمح النص في بعض المقاطع التي تشير إلى أثر الأسم في التجربة الشخصية.
الهوية هنا ليست ثابتة، هي نتيجة صراع بين ما يُفرض على الإنسان وما يصنعه هو بنفسه. وهذا يقود إلى فكرة أساسية في الكتاب وهي أن الإنسان لا يُولد مكتمل الهوية، يُصنع عبر الزمن، عبر التفاعل مع المجتمع، ومع الذاكرة، ومع الألم أيضاً.الزمن في هذا العمل ليس خطاً مستقيماً، هو قوة دائرية أو متكسرة تعيد تشكيل الماضي باستمرار. الماضي لا يُترك خلفنا، بل يعود بوصفه جزءاً من الحاضر، والحاضر ليس نقطة استقرار، هو لحظة مؤقتة تتفكك فور حدوثها. لذلك يشعر المتلقي أن السيرة ليست استرجاعاً لحياة إنتهت، بل هي إعادة كتابة دائمة للحياة من داخل الذاكرة.
هذا الفهم للزمن يجعل الكتاب قريباً من التصورات الفلسفية الوجودية، حيث لا يوجد معنى جاهز للحياة، المعنى يُصنع عبر التجربة نفسها، وعبر الوعي بها أثناء حدوثها أو بعد انقضائها.
يتخلل النص حضور واضح للفكر الفلسفي العالمي، سواء في الإحالات إلى ديكارت أو سارتر أو يونغ أو غيرهم، لكن هذه الإحالات لا تأتي كزينة معرفية، بل جزء من محاولة فهم الذات عبر أدوات متعددة.
كائن مركب
الإنسان هنا ليس موضوعاً بسيطاً، هو كائن مركب يتداخل فيه النفسي والاجتماعي والتاريخي، ولذلك فإن محاولة فهمه تتطلب تعدد العدسات الفكرية. من هنا يصبح النص أقرب إلى تأمل فلسفي طويل في معنى الوجود، وليس مجرد تسجيل سيرة حياة.
هناك أيضاً حضور قوي لفكرة الإغتراب، ليس بوصفه اغتراباً جغرافياً فقط، بل اغتراباً داخلياً يعيش فيه الإنسان داخل وطنه وداخل ذاكرته وداخل جسده أحياناً. المدينة نفسها تتحول إلى مساحة غريبة حين تتغير القيم والعلاقات، وحين يصبح الماضي أكثر حضوراً من الحاضر. هذا الإغتراب يولد شعوراً دائماً بعدم الإستقرار، وكأن الذات تبحث عن مكانها دون أن تجده بالكامل، رغم أنها لا تخرج من مكانها فعلياً. الأسلوب السردي في الكتاب يقوم على كثافة لغوية عالية تميل إلى الشعرية، حيث تتحول الجملة إلى مساحة تأمل أكثر من كونها مجرد نقل للمعلومة. هناك ميل واضح إلى استخدام الصور والتشبيهات والتكثيف الفلسفي، مما يجعل النص أحياناً أقرب إلى مونولوج داخلي طويل يتنقل بين الذكرى والفكرة والإنفعال. هذا الأسلوب يعكس طبيعة الموضوع نفسه، لأن الحديث عن الزمن والهوية لا يمكن أن يكون مباشراً أو خطياً، بل يحتاج إلى لغة مرنة قادرة على إحتواء التناقض. كما أن الكتاب يعكس وعياً واضحاً بتاريخ العراق الاجتماعي والسياسي، من خلال الإشارات إلى التحولات الكبرى التي مرت بها بغداد، من العهد الملكي إلى الانقلابات إلى الحروب الحديثة. لكن هذه الأحداث لا تُقدَّم كتوثيق تاريخي، بل كخلفية تتداخل مع مصير الفرد، بحيث يصبح التاريخ قوة يومية تمس حياة الشخص العادي، لا مجرد سياق خارجي. الفرد هنا ليس منفصلاً عن التاريخ، بل هو جزء من تموجاته.ويمكن القول إن الكتاب يقدّم رؤية تعتبر أن الإنسان ليس كائناً ثابتاً، بل كائن يعاد تشكيله باستمرار عبر الزمن والمكان والذاكرة. السيرة ليست رواية حياة، هي محاولة لفهم لماذا تصبح الحياة قابلة للكتابة أصلاً. وما يميز هذا النص أنه لا يكتفي بالإجابة، لأنه يضاعف الأسئلة، ويترك المتلقي في منطقة تأمل مفتوحة، حيث تصبح الحياة سؤالاً مستمراً لا ينتهي عند نقطة معينة، بل يستمر ما دام هناك وعي يراقب الزمن وهو يمر داخله. بحذر وترقب سيغدوان محور حياة المفكر الكاتب، وسر ديمومته!!