الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
التاريخ... العقل الذي ينجو من الموت


التاريخ... العقل الذي ينجو من الموت

حامد الضبياني

 

لم يولد التاريخ من رغبة الإنسان في تأمل ما مضى، وإنما وُلد من خوفه العميق من أن يتحول وجوده إلى أثر عابر تبتلعه العتمة. فالزمن لا يحمل ذاكرة، بل يمضي بصمتٍ لا يلتفت إلى من عبروا فوق جسده، أما التاريخ فهو الوعي الذي انتزع الإنسان بواسطته نفسه من قبضة الفناء، وجعل من التجربة الإنسانية معنىً قابلًا للبقاء.ولولا التاريخ لما استطاعت حضارة أن تعرف جذورها، ولا أمة أن تفهم ملامحها، ولا إنسان أن يدرك أن عمره الحقيقي لا يُقاس بعدد السنوات التي عاشها، وإنما بمقدار ما تركه من أثر في ذاكرة الحياة.لقد اعتادت الثقافة التقليدية أن تقدم التاريخ على أنه تتابع للأحداث، وتعاقب للدول، وسرد للملوك، وإحصاء للحروب والانتصارات والهزائم، حتى أصبح في أذهان كثيرين كتابًا مغلقًا يزدحم بالأسماء والتواريخ أكثر مما يزدحم بالإنسان. غير أن هذه الصورة لا تمثل إلا سطح التاريخ، أما جوهره الحقيقي فيقيم في مكان آخر؛ في تلك المنطقة التي تتحول فيها الوقائع إلى وعي، والتجارب إلى حكمة، والأخطاء إلى دروس، والانتصارات إلى مسؤولية أخلاقية، والهزائم إلى مراجعة وجودية. فليس كل ما وقع يستحق أن يسمى تاريخًا، لأن الحدث لا يكتسب قيمته من لحظة وقوعه، بل من قدرته على إعادة تشكيل الإنسان، وعلى تغيير طريقته في التفكير، وصياغة نظرته إلى العالم.التاريخ ليس دفترًا يحتفظ بالماضي، بل عقلٌ هائل يواصل التفكير حتى بعد انقضاء القرون. إنه الذاكرة التي لا تنام، والضمير الذي لا يسمح للزمن أن يمحو آثار الحقيقة. وما يبدو لنا أحيانًا أنه نهاية لمرحلة، لا يكون في الحقيقة إلا بدايةً لمعنى جديد، لأن الأفكار لا تموت بموت أصحابها، بل تبدأ رحلتها الطويلة بعد غيابهم. لذلك بقيت كلمات الفلاسفة، وتجارب المصلحين، وصيحات الثائرين، أكثر حضورًا من قصور الملوك، لأن الحجر يشيخ، أما الفكرة فكلما عبرت الزمن ازدادت قدرة على البقاء إذا كانت صادقة في مخاطبة الإنسان.

إن أعظم خطأ يقع فيه العقل هو اعتقاده أن التاريخ يعيش خلفنا، بينما الحقيقة أنه يسير أمامنا. فالحاضر ليس سوى ماضٍ لم يكتمل تفسيره، والمستقبل ليس إلا امتدادًا للأسئلة التي تركتها الأزمنة السابقة دون جواب نهائي. ولهذا فإن الأمم التي تقطع صلتها بتاريخها لا تتحرر منه، بل تصبح أكثر خضوعًا له، لأنها تعيد إنتاج أخطائه من حيث تظن أنها تجاوزته.فالنسيان ليس دليلًا على التقدم، وإنما قد يكون الطريق الأقصر إلى تكرار المأساة.ومن هنا لا يصبح التاريخ علمًا بالأحداث، بل علمًا بالإنسان. فالأحداث لا تتحرك وحدها، وإنما تدفعها رغبات البشر، ومخاوفهم، وأطماعهم، وأحلامهم، وقيمهم، وأخطاؤهم. إن الإمبراطوريات لم تسقط لأن جيوشها ضعفت فحسب، بل لأنها فقدت قدرتها على إنتاج المعنى، ولأنها استبدلت العدالة بالغلبة، والحكمة بالقوة، والإنسان بالأداة. وكل حضارة اعتقدت أن تفوقها الأبدي حقيقة نهائية، كانت تحمل في داخلها البذور الأولى لانهيارها، لأن التاريخ لا يعاقب الأمم على ضعفها، بقدر ما يعاقبها على غرورها.

ولم يكن الجدل الطويل حول هوية التاريخ سؤالًا أكاديميًا معزولًا، بل كان في جوهره سؤالًا عن طبيعة الإنسان نفسه. هل الإنسان كائن تحكمه قوانين ثابتة، أم أنه إرادة قادرة على كسر كل القواعد؟ وهل الماضي حقيقة مغلقة، أم نص مفتوح يعيد كل جيل قراءته وفق وعيه وأسئلته؟ ولهذا لا توجد قراءة نهائية للتاريخ، لأن كل عصر يكتشف في الماضي ما يعكس قلقه الفكري، ويعيد تأويل الوقائع بما ينسجم مع رؤيته للعالم. وليس في ذلك انتقاص من قيمة التاريخ، بل تأكيد على أنه كائن حي، يتجدد كلما تجدد العقل الذي يقرأه.


مشاهدات 46
الكاتب حامد الضبياني
أضيف 2026/07/11 - 2:16 AM
آخر تحديث 2026/07/11 - 3:41 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 234 الشهر 10881 الكلي 15916008
الوقت الآن
السبت 2026/7/11 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير