دماء الشهداء ما زالت تتكلم
محمد رسن
لم تكن مواكب تشرين هذا العام مجرد مواكب عزاء، بل تحولت في أكثر من محافظة عراقية، ومنها الكوت وبابل والناصرية وذي قار وبابل وبغداد والنجف ومحافظات اخرى، إلى منابر ترفع صوت الناس بوجه الفساد والظلم، وتستعيد جوهر الرسالة الحسينية بعيداً عن اختزالها في الطقوس وحدها. ولم يقتصر المشهد على مدينة واحدة، بل امتدت الأصوات في أكثر من محافظة عراقية، حيث رُفعت لافتات تُدين الفساد والطبقة السياسية التي أوصلت البلاد إلى هذا الواقع، فيما طالب المواطنون بحقوقهم الأساسية، وفي مقدمتها الكهرباء، بوصفها حقاً لا منّة. لقد حملت المواكب هموم الناس، وربطت بين الشعائر وقضايا المجتمع، لتؤكد أن كرامة الإنسان جزء لا يتجزأ من رسالة الحسين. وفي الناصرية، مُنعت صور شهداء تشرين من الظهور في بعض المواكب. حتى صور الشهداء باتت تُخيف السلطة، لأنها لا تستحضر وجوهاً غابت فحسب، بل تستحضر سؤال العدالة الذي لم يُجب عنه، وتُذكّر بدماء لم يُقتص لها، وبقضية ما زالت حية في ضمير العراقيين. فحين ارتفعت اللافتات التي تندد بالفاسدين، وتطالب بالكرامة والعدالة، لم يكن ذلك خروجاً على عاشوراء، بل عودة إلى معناها الأول. فالإمام الحسين (عليه السلام) لم يخرج ليؤسس موسماً للحزن، وإنما أعلنها بوضوح: «إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي». والإصلاح لا يكون بالصمت أمام الظالم، ولا بتبرير الفساد، ولا بتجاهل دماء الأبرياء، بل يبدأ بكلمة حق، وموقف شجاع، وانحياز للمظلوم.
إن إحياء ذكرى الإمام الحسين لا يكتمل إذا بقي الفاسد آمناً، والقاتل بعيداً عن العدالة، والشعب محروماً من أبسط حقوقه. فالقضية الحسينية ليست مجرد استذكار لمأساة تاريخية، وإنما مشروع دائم لمواجهة كل سلطة جائرة، وكل فساد ينهش كرامة الناس. ولهذا، فإن مواكب تشرين وهي ترفع صوتها ضد الفساد، إنما تجسد أحد أصدق معاني عاشوراء. فهي تعيد ربط الشعائر بالوعي، والعاطفة بالموقف، والذكرى بالفعل. ستبقى عاشوراء حية ما دام هناك من يقول للظالم: لا، ومن يناصر المظلوم، ومن يؤمن أن الإصلاح مسؤولية لا شعار. أما إذا تحولت إلى طقوس معزولة عن واقع الناس وآلامهم، فإنها تفقد رسالتها التي استشهد الحسين من أجلها. هنا يكمن الوعي الحقيقي لثورة الإمام الحسين، وهنا يبقى الإصلاح طريقاً، لا مجرد ذكرى تُستعاد كل عام.