فنّ السيرة… قراءة في ذاكرة رجل لم تكتمل
ياس خضير البياتي
يُعدّ فنّ السيرة واحدًا من أكثر الأجناس الأدبية قدرةً على النفاذ إلى جوهر الإنسان؛ فهو لا يكتفي بتسجيل الوقائع، بل يلتقط ما بين السطور من نبضٍ ومشاعر وتحوّلات. السيرة ليست تاريخًا جامدًا، بل حياةٌ ثانية تُمنح لصاحبها، وحياةٌ موازية تُمنح للقارئ، فيتجوّل بين الأزمنة كما لو كان يعيشها. في السيرة، يصبح الكاتب شاهدًا على زمنٍ مضى، ويغدو القارئ شريكًا في إعادة تشكيله، فتتداخل الذاكرة الفردية مع الذاكرة الجمعية، ويصبح النصّ مساحةً يلتقي فيها الإنسان بظلاله، والوطن بوجوهه، والزمن بتفاصيله.
إنّ السيرة، سواء كانت ذاتية أو غيرية، تُعيد ترتيب العالم من خلال حكاية شخص واحد، لكنها في الحقيقة تحكي عن مجتمعٍ كامل، وعن طبقاتٍ من التاريخ، وعن تحوّلاتٍ لا تُدركها الكتب الرسمية. لذلك، فإن قراءة السيرة ليست فعلًا أدبيًا فحسب، بل فعلًا معرفيًا وإنسانيًا، يفتح الباب أمام فهمٍ أعمق للإنسان وللبيئة التي تشكّل فيها.
بين دفّتي هذا الكتاب، لم أكن أقرأ مجرد سيرة ذاتية لرجل، بل كنتُ أتجوّل في أروقة ذاكرة عراقية غنية بالتفاصيل، وكأنني أجلس قبالة السيد عباس حسن بغدادي، أستمع إلى صدى صوته وهو يروي حكاياتٍ من زمنٍ مضى. كانت الصفحات أشبه بمجلسٍ قديم في بيت بغدادي، حيث تختلط رائحة الورق برائحة التاريخ، وحيث تتجاور الحكايات كما تتجاور الأزقة في قلب بغداد.
أخذني الكتاب في رحلة زمنية بدأت من بدايات الدولة العراقية عام 1921، رحلةٍ تتداخل فيها حياة البغدادي مع حكايات الوزراء والأعيان ورجال الأعمال، لتتشكل أمامي لوحة فسيفسائية للمجتمع العراقي آنذاك. شعرتُ بتلك الحميمية في السرد، وكأنني أرافقه في مشاويره اليومية في سوق السراي، أو أسمع قصصه الساخرة عن مدراء الشرطة الذين كانوا ينهون يومهم في شارع السعدون، مستمتعين بركوب عربات الخيول تحت سماء بغداد.ما أسرني في هذا الكتاب هو صدق تلك الذاكرة؛ ذاكرةٌ لم تكن مجرد تواريخ، بل شريطٌ حيّ حفظته السنون. الأوراق التي كُتبت بخط مرتجف في أواخر أيام صاحبها، والتي عانت من بقع زيت المطبخ وصعوبة القراءة، تحوّلت بفضل صبر المدون أحمد حمدي عبد الرحمن إلى وثيقة نابضة بالحياة، بعد سنتين من البحث والترميم اللغوي.
ثورة مايس
لم يكتفِ الكتاب بسرد سيرة الرجل، بل انفتح على فضاءات أوسع؛ حيث تداخلت ثورات العراق، مثل ثورة مايس، وحكومة الدفاع الوطني، مع تجارب مريرة في معتقل العمارة، ومع مشاهدات دقيقة من سوريا ولبنان والأردن. كانت شخصية البغدادي تعبر الطبقات الاجتماعية كلها، من النخب إلى البسطاء، دون أن تنحاز إلا للحقيقة.
في ختام هذه القراءة، وجدتني أمام نصّ لا يدّعي المثالية، بل يقدم أمانة تاريخية ومشاعر إنسانية صادقة. كان الكتاب جسرًا عبرتُ من خلاله إلى عالم السيد عباس، تاركًا خلفي ضجيج الحاضر، لأستنشق عبق تلك الحقبة التي روتها ذاكرته؛ ذاكرةٌ ستبقى حيّة في ذهن كل من يقرأ هذا العمل.