الإنسان بعد صدمة الفقد.. قلب يجاور الخوف
هدير الجبوري
الفقد لا يأخذ الذين نحبهم فقط، بل يأخذ شيئاً من طمأنينتنا معهم، ويترك في داخلنا خوفاً لا يشبه أي خوف آخر.
لم أكن أعرف أن الخوف يمكن أن يسكنني بهذا الشكل.منذ أن فقدتُ من أحب، لم يعد العالم كما كان، ولم أعد أنا كما كنت، شيءٌ ما في داخلي تغيّر، كأن الطمأنينة التي كانت تحيط أيامي انسحبت بصمت، وتركتني في مواجهة شعور غامض يتسلل إلى كل لحظة… الخوف.
لا خوفٌ محدد يمكن تسميته، بل خوف واسع، بلا ملامح واضحة أخاف من الغياب، من الأخبار المفاجئة، من تأخر من أحبهم، من أن يتكرر الألم الذي مررت به.
كأن الفقد لم يأخذ شخصاً عزيزاً فقط، بل أخذ معه إحساسي بالأمان.لا يأتي الفقد وحيداً، بل يأتي ومعه صمت ثقيل، ووجع طويل، وخوف لا نعرف كيف نفسره. فجأة يبدو العالم أقل أماناً، وتصبح فكرة الغياب ممكنة في أي لحظة، بعد أن كنا نظن أن الأحبة باقون دائماً بالقرب منا.
في لحظة الفقد، يتعلم الإنسان درساً قاسياً: أن الحياة لا تعطي مواعيد للوداع، وأن الذين نحبهم قد يرحلون دون مقدمات. هذا الإدراك لا يمر مروراً عابراً، بل يستقر في داخلنا، ويجعل القلب في حالة ترقّب دائمة.
نقلق إذا تأخر من نحب، نخاف من المرض، من الحوادث، من الأخبار المفاجئة، وكأننا بعد الفقد نفقد القدرة على الاطمئنان الكامل مرة أخرى.وهذا الخوف، على قسوته، ليس ضعفاً كما يظن البعض، بل هو الوجه الآخر للحب. فنحن لا نخاف إلا على من نحب، ولا يؤلمنا الفقد إلا لأن مكانة الراحلين في قلوبنا كانت كبيرة
الفقد لا يكسرنا فقط، بل يعرّفنا على هشاشتنا، ويجعلنا أكثر وعياً بأن الحياة قصيرة، وأن وجود من نحبهم حولنا نعمة لا نشعر بقيمتها إلا حين نفقدها.
لكن ما يحدث للإنسان بعد صدمة الفقد لا يتوقف عند الحزن فقط، بل يتغير شيء عميق في داخله ،يصبح أكثر حساسية، أكثر قلقاً، أكثر تعلقاً بالناس، أو ربما أكثر صمتاً وانعزالاً. بعض الناس يصبحون أكثر حباً للحياة، وبعضهم يصبحون أكثر خوفاً منها. لكن في كل الأحوال، لا يبقى الإنسان كما كان قبل الفقد.ومع مرور الوقت، لا يختفي الحزن تماماً، ولا يختفي الخوف تماماً، لكنهما يتغيران. يتحول الحزن من ألم حاد إلى شوق هادئ، ويتحول الخوف من رعب دائم إلى حذرٍ صامت. يتعلم الإنسان أن يعيش وهو يحمل غياباً في قلبه، وذكرى لا تفارقه، وخوفاً يحاول أن يتعايش معه.
الإنسان بعد صدمة الفقد ليس إنساناً ضعيفاً، بل إنسان رأى هشاشة الحياة عن قرب، فعرف أن كل شيء يمكن أن يتغير في لحظة، ولذلك يصبح أكثر تمسكاً بمن يحب، أكثر تقديراً للأيام العادية، وأكثر خوفاً من الفقد… لكنه رغم ذلك يستمر في الحياة، لأن الحياة لا تتوقف، ولأن الذين رحلوا، لو كانوا معنا، لطلبوا منا أن نكمل الطريق...