الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بليغ.. لم يأت بعد موسيقاه لحن يشبهه

بواسطة azzaman

بليغ.. لم يأت بعد موسيقاه لحن يشبهه

محمد خضير الانباري

 

حينَ يذكرُ الإبداع الموسيقيّ في العالمِ العربي، ينهضُ اسمٌ (بليغ حمدي) متفردا كقامةٍ لا تشبهُ سواها؛ فهوَ لمْ يكنْ مجردُ ملحنٍ قدمَ أغانيَ ناجحة، بلْ روح استثنائية، سكنتْ الموسيقى حتى غدتْ جزءا منْ كيانه، وكأنَ الألحانَ ولدتْ في أعماقهِ قبلَ أنْ تنسابَ إلى الناسِ خالدات لا يطويها الزمن.

عندما نصغي إلى أعمالهِ معَ (أمّ كلثوم) وسائر عمالقةِ الطرب، نشعرُ أننا نغادرُ حدودَ الواقعِ إلى فضاءٍ رحبٍ منْ السحرِ والدهشة؛ عالم تتقدمُ فيهِ الموسيقى على الكلمات، فتأسرُ الروح قبلَ الأذن، فمرةٌ تبعثُ فينا الشجن، ومرةً تفيضُ فرحا، وأخرى توقظُ الحنينَ الدفين، ثمَ تمضي بنا نحوَ التأملِ والحلم، حتى نبلغَ ذلكَ الصمتَ العميقَ الذي لا تصنعهُ إلا الفنون العظيمة.

وهنا، تكمنُ عبقريةُ بليغ حمديّ في قدرتهِ على تحويلِ الإحساسِ الإنسانيِ إلى موسيقى تنبضُ بالحياة، فكانتْ ألحانهُ صادقةً وقريبةً منْ القلب، تبقى في الذاكرةِ مهما مرّ الزمن، ومنْ خلالِ أعمالهِ معَ أمِ كلثومَ مثلَ سيرةْ الحب، وأنساك وفاتَ الميعاد، أثبتَ أنهُ لمْ يكنْ مجرد ملحن، بلْ مجدد أحدثَ نقلةً كبيرةً في الموسيقى العربية، إذْ مزجَ بينَ الأصالةِ الشرقيةِ والآلاتِ الحديثةِ بأسلوبٍ حافظٍ على روحِ الأغنيةِ العربية.

لمْ يكنْ بليغا ، مجرد ملحنٍ لجيلٍ واحد، بلْ جيل لوحده، مدرسة قائمة بذاتها، لا تزالُ تدرسُ بالإحساسِ قبلَ النوتةِ الموسيقية، حتى اليوم، وبعدَ عقودٍ طويلة، ما زالتْ ألحانهُ تبدو جديدة، وكأنها ولدتْ هذا الصباح. وحينَ نتذكرُ رحيله، نشعرُ بالحزنِ أمامَ حقيقةِ الموتِ التي تطالُ حتى العباقرة. فالإنسانُ يتألمُ حينَ يرى مبدعا بهذهِ العظمةِ يدفنُ تحتَ التراب، وكأنَ الفنَ الذي ملأَ الدنيا جمالاً لا يكفي؛ ليوقفَ الزمن. عذرا، وأستغفرُ اللهَ ربّ العالمين، لكنها مشاعرُ المحبينَ حينَ يعجزونَ عنْ تقبلِ غيابِ منْ صنعوا الفرحَ لأرواحهم.

لقدْ كانَ بليغ حمديّ ، يستحقُ تكريما يليقُ بخلودهِ الفني؛ كأنْ يبقى اسمهُ حاضرا في أكبرِ مسارحِ مصر، أوْ أنْ يتحولَ إرثهُ إلى متحفِ موسيقيٍ في دارِ الأوبرا المصرية، تترددُ فيهِ ألحانه للأجيالِ القادمة، تكريما لرجلِ جعلِ الموسيقى العربيةِ أكثر حياةً وجمالا.

إنَ بعضَ الأشخاصِ يرحلونَ بأجسادهمْ فقط، أما أرواحهم، فتبقى في أعمالهم، وبليغ حمديّ واحد منْ هؤلاءِ القلائلِ الذينَ لمْ يغادروا حقا، لأنَ ألحانهُ لا تزالُ تسكنُ القلوب، وتعيشُ في البيوتِ والسياراتِ والمسارحِ والذكريات. وسيظلُ السؤالُ حاضرا في وجدانِ عشاقِ الطرب.

هلْ يمكنُ أنْ يأتيَ بليغا آخر؟ ربما يأتي ملحنــــــونَ كبارا… لكنَ بليغ حمديّ لمْ يأتِ بعد.


مشاهدات 103
الكاتب محمد خضير الانباري
أضيف 2026/06/07 - 2:46 PM
آخر تحديث 2026/06/09 - 11:57 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 126 الشهر 9107 الكلي 15884588
الوقت الآن
الأربعاء 2026/6/10 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير