صوت الذاكرة والمرأة المبدعة بين الأدب المبتكر وصوت الحضور: أحلام مستغانمي نموذجًا
ربا رباعي
يشكّل الصوت النسوي في السرد العربي المعاصر تحوّلًا نوعيًا في بنية الخطاب الأدبي، إذ لم تعد المرأة موضوعًا للتمثيل، بل غدت ذاتًا كاتبة تعيد إنتاج العالم عبر اللغة والذاكرة. وفي هذا الإطار، تبرز تجربة أحلام مستغانمي بوصفها نموذجًا إبداعيًا مركّبًا، يتقاطع فيه الذاتي بالجمعي، والتاريخي بالوجداني، ضمن مشروع سردي ينهض على استثمار الذاكرة بوصفها أداة جمالية وتحليلية في آنٍ معًا. فمن خلال أعمالها، وعلى رأسها ذاكرة الجسد وفوضى الحواس وعابر سرير، تؤسس الكاتبة خطابًا أدبيًا يتجاوز البنية التقليدية للرواية، ليغدو فضاءً مفتوحًا لإعادة تشكيل الهوية والوجود.
تتجلى الذاكرة في نصوص مستغانمي بوصفها بنية سردية حية، لا تستعيد الماضي بقدر ما تعيد تأويله وتفكيكه. فالذاكرة ليست خزانًا للأحداث، بل هي فعل إنتاجي يعيد بناء التجربة الإنسانية ضمن أفق جمالي مشحون بالتوتر. ولعل قولها في ذاكرة الجسد:
"إذا صادف الإنسان شيء جميل مفرط في الجمال، رغب في البكاء."
يكشف عن هذا التوتر بين الجمال والألم، حيث تغدو الذاكرة فضاءً مزدوجًا تتقاطع فيه اللذة بالانكسار. كما أن تصريحها:
"نحن لا نكتب لنقول ما نعرف، بل لنكتشف ما نجهل."
يعكس وعيًا عميقًا بوظيفة الكتابة بوصفها أداة للمعرفة، ما يجعل من الذاكرة مسارًا لاكتشاف الذات، لا مجرد استعادة للماضي.
وفي سياق موازٍ، تتأسس تجربة مستغانمي على إعادة تشكيل اللغة العربية من منظور أنثوي، فيما يمكن تسميته بـ"تأنيث اللغة". إذ تتحول اللغة لديها إلى أداة مقاومة رمزية، تعيد من خلالها المرأة كتابة ذاتها خارج الهيمنة الذكورية. ففي فوضى الحواس تقول:
"الكتابة هي أن تقتل من تحب، وتنجو أنت."
وهو تعبير يحمل بعدًا تراجيديًا، يكشف عن طبيعة الكتابة كفعل تفكيك وإعادة تركيب للعلاقات الإنسانية. كما أن قولها:
"الحب هو أن نحب، لا أن نُحَب."
يمثل قلبًا للمفاهيم التقليدية، حيث تتحول المرأة من موضوع للحب إلى ذات فاعلة تعيد تعريفه وفق رؤيتها الخاصة.
أما الجسد، فيحتل موقعًا رمزيًا مركزيًا في خطاب مستغانمي، إذ يتحول إلى استعارة للوطن والهوية. فالجسد المجروح في ذاكرة الجسد ليس سوى امتداد لجسد الوطن المثخن بالندوب. ويتجلى ذلك في قولها:
"الوطن ليس مكانًا نعيش فيه، بل هو شيء يعيش فينا."
حيث يتم الانتقال من التصور الجغرافي للوطن إلى تصور وجداني داخلي، يجعل من الانتماء تجربة شعورية عميقة، تتجاوز الحدود المادية.
ومن أبرز ما يميز تجربة مستغانمي هو هذا التهجين بين السرد والشعر، حيث تتكثف اللغة وتغدو مشبعة بالصور البلاغية والانزياحات الدلالية. فهي لا تكتب رواية تقليدية، بل نصًا هجينًا تتداخل فيه الأجناس الأدبية. ففي عابر سرير تقول:
"بعض الحكايات لا تُروى، بل تُعاش مرتين: مرة في الواقع، ومرة في الكتابة."
وهو ما يعكس وعيًا ميتاسرديًا بطبيعة الكتابة بوصفها إعادة خلق للتجربة. كما أن قولها:
"نكتب كي لا نموت من الحقيقة."
يجسد الوظيفة الوجودية للأدب، بوصفه ملاذًا من قسوة الواقع، وأداة لإعادة تشكيله.
ورغم هذا الحضور القوي للمرأة داخل النص، إلا أن هذا الحضور يظل مشوبًا بإشكالية الغياب في الواقع الاجتماعي، حيث تعكس شخصيات مستغانمي النسوية حالة من التوتر بين الرغبة في التحرر والقيود الثقافية. وهو ما يجعل من نصوصها فضاءً نقديًا يعكس إشكاليات المرأة العربية في سياقها التاريخي والاجتماعي.
وخلاصة القول، إن تجربة أحلام مستغانمي تمثل نموذجًا متقدمًا للكتابة النسوية العربية، حيث تنجح في تحويل الذاكرة إلى خطاب إبداعي، واللغة إلى أداة مقاومة، والجسد إلى استعارة للوطن. وبذلك، فإن صوتها لا يقتصر على كونه صوت امرأة، بل هو صوت الذاكرة العربية وهي تعيد تشكيل ذاتها عبر الأدب.
المراجع
ذاكرة الجسد
فوضى الحواس
عابر سرير
حميد لحمداني، بنية النص السردي
سعيد يقطين، تحليل الخطاب الروائي
عبد الله الغذامي، المرأة واللغة
محمد برادة، أسئلة الرواية العربية