الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بين الوساطات الإقليمية وحسابات القوة..​​​​​​​ هل تقترب واشنطن وطهران من لحظة التهدئة ؟

بواسطة azzaman

بين الوساطات الإقليمية وحسابات القوة.. هل تقترب واشنطن وطهران من لحظة التهدئة ؟

محمد علي الحيدري

 

تشهد منطقة الشرق الأوسط في الأسابيع الأخيرة حراكًا سياسيًا وأمنيًا متشابكًا يعكس حجم القلق الدولي والإقليمي من احتمال انزلاق التوتر بين الولايات المتحدة وإيران إلى مواجهة مفتوحة، خصوصًا مع استمرار الأزمات المتداخلة في الخليج والعراق وسوريا ولبنان، وعودة الملف النووي الإيراني إلى واجهة التجاذبات الدولية. وفي هذا السياق، اكتسبت التحركات الدبلوماسية الأخيرة، ومنها زيارة قائد الجيش الباكستاني إلى طهران، أهمية خاصة باعتبارها مؤشرًا على دخول أطراف إقليمية على خط احتواء التصعيد ومحاولة إبقاء قنوات التواصل مفتوحة بين واشنطن وطهران، ولو بصورة غير مباشرة.المشهد الحالي لا يوحي بوجود مفاوضات شاملة أو اتفاق وشيك بالمعنى التقليدي، لكنه يكشف عن وجود مرحلة “إدارة أزمة” تحاول فيها الأطراف المختلفة منع الانفجار الكامل دون الوصول بعد إلى تسوية استراتيجية نهائية. فالإدارة الأميركية تدرك أن أي مواجهة عسكرية واسعة مع إيران ستفتح أبواب استنزاف إقليمي جديد في توقيت دولي شديد الحساسية، بينما تدرك طهران بدورها أن استمرار الضغوط الاقتصادية والعقوبات، مع التهديدات العسكرية الإسرائيلية والأميركية، يفرض عليها البحث عن هامش تهدئة يمنع تدهور الوضع الداخلي ويخفف احتمالات العزلة الأوسع. الولايات المتحدة تنظر إلى الملف الإيراني اليوم من زاويتين متداخلتين. الأولى أمنية ـ استراتيجية تتعلق بمنع إيران من الاقتراب أكثر من “عتبة القدرة النووية”، والثانية إقليمية مرتبطة بأمن الممرات البحرية وحماية الحلفاء ومنع توسع نفوذ الجماعات المسلحة المتحالفة مع طهران. لكن واشنطن، رغم خطابها الصارم، تبدو حريصة على إبقاء الضغط ضمن حدود محسوبة، فهي لا تريد حربًا شاملة قد تؤدي إلى اضطراب كبير في أسواق الطاقة أو إلى توسيع رقعة المواجهة في المنطقة.

قيادة ايرانية

أما إيران، فتتعامل مع المشهد باعتباره صراع إرادات طويل النفس أكثر منه مواجهة عسكرية مباشرة. القيادة الإيرانية تحاول تثبيت معادلة مفادها أن الضغوط القصوى لن تؤدي إلى استسلام سياسي، وأن أي تفاوض يجب أن يتم من موقع الندية لا من موقع الإملاءات. وفي الوقت نفسه، تحرص طهران على تجنب الانجرار إلى حرب واسعة قد تستنزف قدراتها الاقتصادية والعسكرية في لحظة تواجه فيها تحديات داخلية وضغوطًا اجتماعية ومعيشية متزايدة.

ضمن هذا السياق، تبدو التحركات الباكستانية ذات دلالة سياسية مهمة.

 فإسلام آباد، التي تربطها علاقات مع واشنطن وطهران في آن واحد، تسعى إلى لعب دور يوازن بين أمنها الإقليمي ومصالحها الاقتصادية وحساسياتها الجيوسياسية. باكستان تدرك أن أي انفجار كبير في الخليج ستكون له انعكاسات مباشرة عليها، سواء من حيث الطاقة أو الأمن الحدودي أو الاستقرار الاقتصادي. ولذلك، فإن تحرك قائد الجيش الباكستاني نحو طهران يُقرأ باعتباره جزءًا من محاولة إقليمية أوسع لتخفيف الاحتقان وفتح قنوات تواصل غير معلنة، وليس بالضرورة بوصفه وساطة حاسمة تقود إلى اتفاق قريب. اللافت في المرحلة الحالية أن معظم الأطراف تتحدث بلغة مزدوجة: خطاب علني متشدد، وتحركات خلف الكواليس تهدف إلى منع الانفجار.

هذه الازدواجية ليست جديدة في العلاقة الأميركية الإيرانية، لكنها تبدو اليوم أكثر وضوحًا بسبب ارتفاع كلفة الحرب على الجميع. فإسرائيل تضغط باتجاه تشديد المواجهة مع إيران، وتعتبر أن الوقت لا يعمل لصالحها فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، بينما تخشى أطراف دولية عديدة من أن يؤدي أي تصعيد غير محسوب إلى اضطراب عالمي اقتصادي وأمني واسع.

كما أن المشهد الدولي نفسه تغيّر بصورة كبيرة مقارنة بسنوات سابقة. فالعالم يعيش حالة إنهاك نتيجة أزمات متراكمة تشمل الحرب في أوكرانيا، والتوتر الأميركي ـ الصيني، واضطرابات الطاقة والتضخم العالمي.

لذلك، فإن القوى الكبرى لا تبدو متحمسة لفتح جبهة إقليمية جديدة قد تؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط وإرباك الأسواق الدولية.في المقابل، لا تزال العقبات الجوهرية أمام أي تفاهم قائمة. فالخلاف لا يتعلق فقط بالملف النووي، بل يمتد إلى طبيعة الدور الإيراني في المنطقة، وبرامج الصواريخ، وشبكة التحالفات المسلحة المرتبطة بطهران، إضافة إلى ملف العقوبات والضمانات السياسية والاقتصادية.

هذه الملفات تجعل أي اتفاق شامل مسألة معقدة تتجاوز فكرة التفاهمات المؤقتة أو التهدئة المرحلية.

انهيار كامل

ومن هنا يمكن القول إن المنطقة لا تقف حاليًا على أعتاب “اتفاق تاريخي” بقدر ما تقف أمام محاولة دولية وإقليمية لمنع الانهيار الكامل لقواعد الاشتباك. فالأطراف المختلفة تبدو مقتنعة بأن التصعيد الشامل يحمل مخاطر يصعب السيطرة عليها، لكنها في الوقت نفسه غير مستعدة لتقديم التنازلات الكبرى اللازمة لبناء تسوية دائمة.

وعليه، فإن السيناريو الأقرب في المدى المنظور قد لا يكون الحرب الشاملة ولا السلام الكامل، بل استمرار حالة “التوتر المنضبط” التي تجمع بين الضغوط المتبادلة والرسائل العسكرية والتحركات الدبلوماسية السرية، في محاولة لإدارة الصراع بدل حسمه.

وفي هذا النوع من الصراعات، تصبح الوساطات الإقليمية، ومنها التحرك الباكستاني، أدوات لتخفيف الاحتقان أكثر من كونها مفاتيح لحل نهائي.

 

 


مشاهدات 117
الكاتب محمد علي الحيدري
أضيف 2026/05/23 - 3:54 PM
آخر تحديث 2026/05/24 - 2:20 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 152 الشهر 22953 الكلي 15868147
الوقت الآن
الأحد 2026/5/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير