أذن وعين
رواية (الحب 2003) وأشياء أخرى
عبد اللطيف السعدون
يرجع اهتمامي برواية الحكايات عبر الشعر إلى حلقة منسية في مسار حياتي، مشت عليها عقود، كان ذلك، وأنا طالب على مقاعد الدراسة المتوسطة في مدينتي الأولى الفلوجة، في حينها تعرفت الى مسرحية «الشاعر والربيع» التي كتبها الأديب والشاعر اليمني المصري علي أحمد باكثير عندها اختارها مدرس اللغة العربية الراحل عبد الجليل محمد صبري، ضمن دورة النشاطات المدرسية السنوية، وأسند لي فيها دور «الشاعر».
بعد تلك الواقعة، وبحماس سن المراهقة والفتوة، شرعت أبحث عن مسرحيات وروايات شعرية، أتذكر «يا ليل يا عين» و»حرب البسوس» و»أبو دلامة» لباكثير نفسه، و»مجنون ليلى» و»مصرع كليوباترا» لأحمد شوقي، وغيرها، وقد كانت هذه النماذج الروائية بداية نشوء المسرح الشعري العربي، وقد أخذتني الحياة بعد ذلك إلى آفاق، وشؤون وشجون أخرى أفقدتني الحماس الذي عرفته في حينه نحو هذا اللون من الأدب.
لكن مصادفة طيبة جعلتني استرجع هذه الوقائع التي اختزنتها ذاكرتي زمنا، هي اطلاعي عبر «الفيس بوك» على صورة غلاف لرواية شعرية صدرت مؤخرا، جذبني عنوانها المثير «حب 2003» للشاعرة بشرى البستاني، وقد سررت كثيرا عندما غمرتني الشاعرة بلطفها، وبعثت لي بنسخة الكترونية بمجرد علمها برغبتي في الحصول على الرواية التي ظهر لي عند قراءتي الأولى لها أن الشاعرة استحضرت من خلالها النكبة التي عصفت بالعراق جراء الغزو الأميركي، واستبطنت في ثناياها صفحات التاريخ العريض لبلاد الرافدين قبل أزيد من ألفي عام قبل الميلاد وصولا الى حاضرنا.
صلة وثيقة
وتجدر الاشارة هنا الى أن ثمة صلة وثيقة بين فن المسرحية الشعرية وفن الرواية الشعرية، ويقال إنهما معا يعتمدان على الحوار الشعري المقطع، والفرق فقط في كون الرواية تغوص في المشاعر أكثر مما تفعله المسرحية الشعرية التي تركز على تجسيد المعاني في حركات وايماءات معينة، وقد وجدنا في رواية «الحب 2003» ما يمكن أن يجعلها تأخذ طريقها، هي الأخرى، الى المسرح إذا ما توفر لها كادر فني مهتم.
وعلى أية حال فإن القراءة الأولى للرواية المذكورة والتي تضم (15) فصلا قصيرا تدفع القارئ لاستذكار ما عشناه في السنوات العشرين العجاف الأخيرة، وتأخذه منذ بدايتها إلى مشاهد مثيرة للوجع حيث «الملاعب مقفرة، ومطر أسود في الدروب، وشبعاد (ملكة سومر) يوجعها النخل، ويوجعها الليل منطفئا، والقناديل مجروحة، وحدائق أور تبعثرها القدم الهمجية»، لكننا نلمح وسط كل هذه الألوان والظلال المأساوية «وجه العراق»، وهو يومض، ويبدو أن مشهد «وجه العراق» هو الذي حرصت الشاعرة أن تجعل منه «ثيمة» الرواية، تمسك به، وتسعى لاستنطاقه في غير ما مشهد قريب منه أو بعيد، وكأنها تريد، من خلال ذلك، أن تؤكد لنا أن وجه العراق يظل يومض، ولن ينطفئ مهما اشتدت العواصف، وتباعدت المسافات، ولا بد، في النهاية أن يعود من جديد جميلا معافى، تحمله الشاعرة بين ذراعيها طفلا معروق الجبين لتزرعه في قطرات المطر، ويوما ما سيشهد العراق قيامة الحب، و»يظهر قمر معلق فوق النخيل»، كذلك هو العراق، وتلك من علامات عودة الروح إلى الجسد العراقي الذي أثخنته الجراح، ونالت منه الحادثات.
ورغم النبرة المتفائلة المبثوثة في ثنايا الرواية يمكن للقارئ أن يســتقرأ أيضا ما يحيط بها من مشاهد الخراب والدخان، والناس الذين يموتون، وكل ما يرسم خارطة الوجع العراقي الذي يوشك أ يكون مقيما مدى الزمان، كل ذلك في محاولة من الشاعرة، على ما يبدو، لتذكير بعض من يعتقد اليوم أن الولايات المتحدة التي غزتنا، واحتلت أرضنا، وفتكت بناسنا قد تسعى للتكفير عن خطيئتها تلك، وتساعدنا على إرساء مشروع تغيير وبناء، وهؤلاء يعيشون على وهم أن عودة «البرابرة» قد توفر للعراق نوعا من الحل، لكنه لن يكون سوى الحل الذي يزيد الوجع ويؤبده!