بين هندسة السرد وتقنيات الوصل والقطع
قراءة نقدية في رواية المهندس بجامعة بابل
علي الدليمي
في فضاء معرفي يجمع بين صرامة المنهج الأكاديمي وحيوية الإبداع الأدبي، احتضنت كلية التربية الأساسية في جامعة بابل، بالتعاون مع اتحاد الأدباء والكتاب في المحافظة، جلسة نقدية تخصصية سلطت الضوء على آليات التشكيل الروائي المعاصر.
استضافت الجلسة الناقد د. رشيد هارون، الذي قدم ورقة بحثية معمقة بعنوان: "الخبر، القطع، الوصل، الوصف في الرواية العربية، رواية (المهندس) للروائي سامر حيدر المجالي أنموذجاً".
أدار الجلسة د. سامر عبد الكاظم جلاب، رئيس قسم اللغة العربية، بحضور نخبوي ضم عميد الكلية د. علي عبد الجبار الجحيشي، وممثل القصر الثقافي في بابل، ونخبة من الأكاديميين وطلبة الدراسات العليا.
استهل د. هارون محاضرته بطرح إشكالي جوهري حول جدوى المنهج في القراءة النقدية، مثيرا تساؤلا وصفه بالمركزي، كيف استطاع الروائي سامر حيدر المجالي تطويع أدواته الفنية ليمسك بتلابيب "متلقي اليوم"؟ ذلك القارئ المحاصر بمغريات التواصل الاجتماعي وتدفق المعلومات السريع.
ومن هذا المنطلق، ولج المحاضر إلى تشريح البنية السردية في رواية "المهندس"، معتمداً على رباعية إجرائية (الخبر، الوصف، القطع، الوصل)، ومستشهدا بآراء المنظر السيميائي سعيد يقطين في التمييز بين القول والإخبار.
لقد بسط هارون مفاهيمه النقدية وفق رؤية تطبيقية، يمكن تكثيفها في صياغة الخبر كعتبة تأسيسية، حيث اعتبر هارون الخبر "أداءً لغوياً يحركه العقل الروائي لصناعة مشهد متحرك". وشبّه الخبر بموقع "المبتدأ" في الجملة النحوية، مما يضع الروائي أمام تحدي الإجابة عن "مبتدآته" الكثيرة لضمان تماسك النص.
كذلك الوصف، بوصفه "قراراً"، لم يرَ المحاضر في الوصف مجرد استراحة سردية، بل هو "قرار بقطع الخبر" لتأثيث الفضاء أو تعميق البعد النفسي للشخصيات، واصفاً "الوصف النفسي" بأرقى أشكال الأداء لتعالقه مع العلوم المجاورة للإنسان.
لتجاور بعدها ديناميكية القطع والوصل، إذ ركزت المحاضرة على "القطع" كإجراء عقلي ذكي يعلق الأخبار لخلق حالة من التشويق، بينما يأتي "الوصل" ليعالج "حالة الحرمان" التي خلفها القطع، محولا شتات الأخبار في نهاية العمل إلى "خبر كلي كبير" يعلن مآلات الصراع.
في الجانب التطبيقي، توقف هارون عند نماذج من رواية المجالي، لا سيما تقنية "الإزاحة النفسية"، حيث أشار إلى مقاطع يقطع فيها الروائي استرساله ليخوض في تفاصيل شخصيات أو أمكنة (مثل الطبيب النفسي) ثم يزيحها بسرعة فائقة، وهي تقنية تعكس اضطراب العوالم الداخلية للشخصيات وتدفع المتلقي للمتابعة المستمرة.
وأوضح هارون أن المجالي في "المهندس" يحاكي سرديات ما بعد الحداثة عبر، تقويض الخطابات الكبرى والاشتغال على الهامشي واليومي. وتفتيت الزمن الفيزيائي واعتماد السرود الدائرية والمتناوبة. ليأتي تلوين الأداء السردي لمنع ركون القارئ إلى نمط رتيب واحد.
وعلى هامش الجلسة، أكد د. علي عبد الجبار الجحيشي، عميد الكلية، في لقاء خاص، على أهمية هذا التكامل بين المؤسسة الأكاديمية والمؤسسات الثقافية كاتحاد الأدباء، مشدداً على أن هذه الفعاليات تخدم الحركة الأدبية وتفتح آفاقاً جديدة لطلبة الدراسات العليا للتعرف على المناهج النقدية الحديثة وتطبيقاتها المعاصرة.
اختتمت الجلسة بفتح باب المداخلات، حيث شهدت نقاشات مستفيضة من الأساتذة والطلبة، أسهمت في إثراء الطروحات التي قدمها د. رشيد هارون، لينتهي اللقاء بوعد بمحور ثان يتناول "أنماط" هذه الرباعية السردية بالتفصيل.