عن المثقف العدواني
محمد الكرخي
بسبب الانفتاح الإعلامي والفوضى السياسية، والحرية النسبية للتعبير عن الرأي، وانهيار وتخبط المؤسسات التربوية والعلمية، والتناحر والتحاصص الحزبي-الطائفي-المناطقي-الديني، وغياب المؤسسات الثقافية النقدية الرصينة، والبنية المتحجرة للمجتمع العراقي، والبيئة الاجتماعية المتوحشة التي يترعرع فيها الإنسان العراقي، والمصلحة الشخصية سواء كانت مادية أو نفسية أو كلاهما، بسبب كل ما تقدم وُجد في الأمس؛ ويُوجد بشكل أكبر اليوم؛ نمط من المثقفين، كل همهم هو التقوقع على سردية فكرية من أجل اتخاذها حُجة؛ لتبرير عداء كافة غير المؤمنين بها. والعداء لا يقف عند كره الآخر وحسب، بل يتعداه إلى التجاوز عليه لفظياً وفعلياً وإهانته بسبب ودون سبب.
استعملت كلمة "المؤمنين" بدل كلمة "المقتنعين" أو كلمة "الفاهمين" أو كلمة "المتبنين"، لأن مثل هؤلاء المثقفين لا يفهمون الأفكار على أنها مجرد آراء لا يمكن أن توجد دون شروط موضوعية، ولا يُمكن أن تروج في مجتمع ما دون إدراك وحاجة المجتمع لقيمتها.
ولعل فهم هؤلاء المثقفين لآلية تبني الأفكار بهذا الشكل، هو شاهد على ما أذهب إليه بخصوص "الشروط الموضوعية المرتبطة بنمط الفكر السائد"، أي أن عقليتهم ليست سوى نمط مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالظروف الموضوعية التي وُجدوا فيها، إذ أنهم لا يختلفون في تعاملهم مع الفكر بمجمله عن أي جهة رجعية عراقية لها فكر "تؤمن" به لا تعي أولياته ولا ما فيه من مثالب.
إن هؤلاء المثقفين، يحاربون "الرجعية" بأساليب رجعية معاكسة، وإن كان مضمون فكرهم المؤمنين به "تقدمياً"، وهذه الظاهرة من مفارقات الواقع الثقافي العراقي المريض، وهي سبب من أسباب مراوحة الثقافة العراقية في تخلفها.
إنه لتجاوز السلوكيات الرجعية فضلاً عن المضامين الفكرية الرجعية في العراق، وجب على التقدميين العراقيين تجاوز كل الأمراض الثقافية والفكرية والاجتماعية والأخلاقية التي غرزها الرجعيون بمختلف ألوانهم الفكرية في جسد المجتمع العراقي، وهذا التجاوز لا يتم دون دراسات معمقة رصينة ومحايدة الغرض منها تشخيص العلل العراقية في مختلف المجالات الإنسانية، أما أن يتخذ التقدميون من أساليب وسلوكيات الرجعيين أدوات لمناكفة الأخيرين ونشر الأفكار التقدمية، فهو مما يصيب القيم التقدمية بمقتل.
لقد فضح الإعلام المنفتح والمُسيس ووسائل التواصل الاجتماعي؛ تعصب وجهل ورجعية وقلة أدب نسبة كبيرة من المثقفين والأكاديميين العراقيين. إن هذه ظاهرة لا بد من فهم أسبابها ومحاولة تجاوزها بأسرع وقت ممكن، ذلك أنه يستحيل التقدم خطوة بالمجتمع العراقي نحو التحضر الإنساني، ومن يُفترض أنهم فعلة هذا التقدم لا يختلفون في عقلياتهم ونفوسهم عن أي عراقي متعصب وجاهل، يقابل كل اختلاف بالتهجم على الآخر دون بذل أي مجهود للتحاور معه.