الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
عرش الفساد في الخدمات

بواسطة azzaman

عرش الفساد في الخدمات

رغد الكناني

 

حين تتحول الخدمات إلى معاناة يومية… يصبح الفساد نظامًا لا مجرد خلل.

وحين تُهدر الأموال دون حساب… يدفع المواطن الثمن مرتين: مرة من جيبه، ومرة من كرامته.في العراق، لم تعد أزمة الخدمات خللًا إداريًا عابرًا، بل أصبحت انعكاسًا واضحًا لبنية مشوهة يتصدرها الفساد، ويتغذى عليها غياب الرقابة وضعف المساءلة. فمن الكهرباء إلى الماء، ومن الطرق إلى الصرف الصحي، تتكرر ذات المشاهد: مشاريع تُعلن، أموال تُصرف، ونتائج لا ترقى إلى الحد الأدنى من تطلعات المواطن.إن الفساد في قطاع الخدمات لا يقتصر على اختلاس الأموال أو تضخيم العقود، بل يتجلى أيضًا في سوء التخطيط، وإسناد المشاريع إلى شركات غير كفوءة، وتغليب المصالح الحزبية على المصلحة العامة. فبدلًا من أن تكون المشاريع وسيلة لتحسين حياة الناس، تحولت في كثير من الأحيان إلى أدوات لتقاسم النفوذ وتحقيق المكاسب.وتكمن خطورة هذا الواقع في أنه لا يقتصر على إهدار المال العام فحسب، بل يؤدي إلى تآكل ثقة المواطن بالدولة ومؤسساتها. فعندما يرى المواطن أن أبسط حقوقه في بيئة نظيفة، وطريق صالح، وخدمة مستقرة، أصبحت بعيدة المنال رغم الموازنات الضخمة، تتولد حالة من الإحباط العام، وقد يتراجع الأمل بإمكانية الإصلاح.إن استمرار الفساد بهذا الشكل يعطل أي محاولة للتنمية الحقيقية، ويجعل من كل مشروع جديد عبئًا إضافيًا بدل أن يكون فرصة للتقدم. فالمشكلة لم تعد في نقص الموارد، بل في سوء إدارتها، وفي غياب الإرادة الحقيقية لمكافحة الفساد من جذوره.ولا يمكن الحديث عن إصلاح دون التوقف عند دور الرقابة، التي يفترض أن تكون خط الدفاع الأول ضد الهدر والتجاوزات. إلا أن ضعف هذه المؤسسات، أو تقييد عملها، أو خضوعها لضغوط سياسية، جعلها عاجزة في كثير من الأحيان عن أداء دورها الحقيقي.كما أن غياب الشفافية في الإعلان عن تفاصيل المشاريع، وآليات صرف الأموال، ونتائج التنفيذ، يفتح الباب واسعًا أمام التلاعب، ويصعّب مهمة محاسبة المقصرين. فالمعلومات حين تُحجب، تُحجب معها الحقيقة، ويُحمى الفساد من الانكشاف.ومن جانب آخر، لا يمكن إغفال دور المواطن والمجتمع في هذه المعادلة. فالمطالبة بالحقوق، والضغط من أجل الشفافية، ورفض الفساد بمختلف أشكاله، تمثل عناصر أساسية في أي عملية إصلاح. فالتغيير لا يأتي من أعلى فحسب، بل يحتاج إلى وعي مجتمعي يرفض القبول بالأمر الواقع.إن الإجابة عن سؤال: «إلى متى؟» لا تكمن في الزمن، بل في الفعل. فبقاء الفساد مرهون باستمرار أسبابه، وزواله مرتبط بوجود إرادة حقيقية للإصلاح، تبدأ بتفعيل مبدأ المساءلة، وتمر بإصلاح المؤسسات، وتنتهي ببناء نظام قائم على النزاهة والكفاءة.

وفي الختام، فإن بقاء الفساد متربعًا على عرش الخدمات ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة تراكمات يمكن كسرها. ويبقى الأمل معقودًا على وعي المجتمع، وصدق القيادات، وقوة القانون، لإعادة بناء منظومة خدمية تليق بالمواطن، تحفظ كرامته، وتحقق له حياة مستقرة تليق ببلد غني بمكانته وتاريخه

 


مشاهدات 52
الكاتب رغد الكناني
أضيف 2026/03/28 - 12:27 AM
آخر تحديث 2026/03/28 - 2:03 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 98 الشهر 22582 الكلي 15214650
الوقت الآن
السبت 2026/3/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير