إيران اليوم وملامح الغد
ضرغام الدباغ
افرزت الحرب الإمريكية ــ الاسرائيلية / الإيرانية التي تناهز الشهرين وما تزال، دروساً عميقة الأهداف والمغزى، والعبر، ولا نبالغ حين نقول أنها من أهم الصراعات السياسية/ العسكرية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
ومن المؤكد أن الحروب بصفة عامة تفرز نتائج بعيدة الغور في البلدان التي تشهد ساحاتها الصراعات بأبعادها، بل ويذهب علماء كبار الأجتماع في العالم، أن الحروب على ما تنطوي عليه من خسائر (عالية غالباً) في الأرواح (عسكريين ومدنيين) وتراجع في الناتج القومي الصناعي والزراعي، وتعطل لمسيرة التنمية وخسائر هائلة في المال والاقتصاد، إلا أنها(الحروب) في ذات الوقت سبباً وباعثاً على الاختراع والتقدم في الابتكارات الصناعية، وإعادة النظر والبناء، ومراجعة الأخطاء، وأستنباط الدروس، وهذه بدورها وبمجموعها ستقود إلى قفزة واسعة، فمعظم المخترعات بأنواعها ساهمت في التطور البشري. ومن أهم الدروس قي هذه الحرب :
هو التغلغل العميق جداً، لأجهزة الأمن الإسرائيلي داخل مرافق المجتمع الإيراني، بدرجة مكنتهم من تصفية أي عنصر يشاؤون الوصول إليه حتى في أعلى الهرم في الدولة، هذا عدا تغلغل مؤسسات أمنية أجنبية أخرى وفي قدمتها الأمريكية والروسية، وأخرى غيرها، وهذه تستحق الدراسة، لماذا نجحت هذه الاجهزة الأمنية وكبف في تحقيق هذه الخروقات العميقة. والتي كان لفعالياتها وخاصة الاغتيالات، التخريب، نتائج فعالة في سير المعارك والمنازلة.
ازالة خطوط
بنتيجة نجاح المؤسسات الاجنبية، تمكن الأمريكان والاسرائيليون من إزالة عدة خطوط قيادية في المؤسسات المفصلية القيادة في الجيش والقوات المسلحة، والاستخبارات، والمؤسسة الدينية، مما سهل لهم كثيراً من التقدم، ومن دروس هذه التجربة، للعبرة والمقاربة، أن صراع حركة حماس الفلسطينية مع العدو قد مضى عليه أكثر من سنتان، لم تستطع إسرائيل تحقيق مكسب أمني يستحق الذكر، سوى تشكيل من خونة ومرتدين، فصيل لا قيمة واقعية له، وهذه مسألة تستحق الأنتباه.
بعد مرور أيام على الصراع المسلح الذي أبتدأ يوم 28/ شباط / 2026، تمكنت أميركا من إيصال قدرات سلاح الطيران، والبحرية الأيرانية إلى مستوى الصفر تقريباً، ولم يعد يبقى لإيران في حسابات الصراع المسلح، سوى كم محدود من سلاح الصواريخ البعيد المدى، والمسيرات التي قدراتها محدودة بسبب محدودية حمولتها من المواد الحربية.
ركزت إيران بتوجيه جزء كبير من قوتها الصاروخية على ضرب دول الخليج، بدرجة تفوق 70 بالمئة من جهدها الصاروخي، ومن المشكوك فيه أن تكون لهذه الضربات فائدة أو مصلحة للجهد الحربي العام، بقدر ما هي تنفيس للغضب الكامن لدى القيادة الدينية والحرس الثوري، ومن المستبعد أن يكون هذا موقف القادة العسكريين المحترفين.
وهذا يوصلنا لنتيجة، أن القوى الدينية والثورية هي من تقود الحرب بصفة تامة، وليس الدولة وقواتها المسلحة وليس سياسياً فقط، بل وعسكرياً / تكنيكياً أيضاً.
رغم أن القدرات الحربية والسياسية (مع أستبعاد أي دعم خارجي فعال) قد تراجعت بدرجة حاسمة، إلا أن الخط الثوري ما يزال يطرح أفاقاً صعبة أعتمادا غلى قدرات وهمية واحتمالات معقدة اعتماداً على القضاء والقدر، والسياسية منها تبعد القيادات من النظر بواقعية للموقف وأبعاده الداخلية والاقليمية والدولية.
والأفتقار إلى خط نظري وعملي واضح وموحد، يطرح احتمالات عديدة، ووجهات نظر متباينة ومتفاوتة، وهذا طبيعي، وبالتالي فهناك في إيران سواء الدولة أو المجتمع، كتل كثيرة بعضها متناقض بشدة، تتفاوت في الرأي جذرياً لدرجة أستعادة النظام الملكي(الشاهنشاهي)، أو نظام يطرح آفاقاً من منظور (perspective) ليبرالي / ديمقراطي بزعامة مجاهدي خلق، قد يتحالف في الخطوة اللاحقة مع منظمات وطنية / ديمقراطية صغيرة.
حركة الأنتفاضة الشعبية التي لها وجود مادي كثيف في الشارع الإيراني، لأنها تمثل الأفق الشعبي العريض المعارض الذي يضم كل من يناهض النظام الديني / الثيوقراطي / الاكرليكي، من قوميات وطوائف دينية متفاوتة، ويساريين ويمينيين، ولادينيين، وكل من يعتقد بضرورة زوال هذا النظام. المضاد لحركة التاريخ. وغالباً فأن تجمعاً جماهيرياً عريضاً كهذا يصعب أن تكون له قيادة موحدة، ولكن يحتمل أن تتمكن شخصية لها كاريزما مؤثرة تتقن لغة الشارع الثائر، من تبوأ المركز القيادي فيها.
منذ أيام قليلة من نشر هذا التقرير، طفا على سطح الأحداث جهة أنبثقت من قلب الاحداث حركة مسلحة أفرادها ملثمون، تطلق على نفسها « ثوار إيران « قناصون يقتلون رجال الامن والحرس الثوري، ويعتقد بعض المراقبين دون دليل واضح، أن هذه الحركة إحدى أذرع الحرش الثوري أو منشقة عنه. ويحتمل أن يكون لهذه الحركة وزن مؤثر في التطورات المقبلة.
محمد باقر فاليباف، رئيس مجلس الشورى (مجلس النواب) شخصية لها دورها منذ أكثر من 30 عاماً يحتل مناصب ثانوية، حتى تولى منصبه هذا الذي يرشحه تلقائياً للمناصب القيادة بحكم مسيرته، وطبيعة منصبه، ويحتمل أن هذه الشخصية إن تحالفت مع رئيس الجمهورية مسعود بزشيكان الذي يعد شخصية معتدلة، مقبولة بدرجة ما، أن يمثلاً معاً كتلة من النظام القديم بوجوه معتدلة مقبولة في الشارع.
ثالث قائد
الحرس الثوري ويقوده اليوم أحمد وحيدي وهو ثالث قائد للحرس الثوري بعد قتل/ أغتيل سلفه الأول والثاني في غضون أيام فحسب. ولكن الجدير بالذكر أن الحرس الثوري هي ليست منظمة عسكرية محترفة، ولا هي تشكيل سياسي، بل هي شيئ من هذا وبعض من ذاك. ومن المرجح جداً أن يضم الحرس الثوري أجنحة وتيارات، تتباين في الوجهة والخط السياسي والديني. الأنشقاق والخروج وتشكيل تيارات وحتى مذاهب جديدة. أمر مألوف ومحتمل في المؤسسات الدينية وهناك دليل أن المرشد المتوفي، قد أوصى قادة القطاعات في الحرش الثوري بأوامر مكتوبة وممهورة، كيفية التصرف في حالة حدوث أحداث خطيرة تقطع التواصل ووحدة الصف، ومواصلة القتال.
وصية المرشد أعلاه (الفقرة 11) تدل أن المرشد (علي خامنئي) وهو من أقدر من تولى هذا المنصب في إيران علما وخلقاً ومقدرة قيادية، تدل على رؤيته وتوقعاته لأحتمالات من هذا النوع، حين يضطرب الحال، أن يجنح الافراد إلى أستنباط منهجاً كل حسب اجتهاده، وقد يصلح هذه في ظروف نضال الحركات السياسية العقائدية، وليس في ظرف تجد الأمة نفسها في صراع عسكري حاسم، فهنا سيشيع تشكيل التكتل والمجاميع، وربما لصراعات داخلية.
النتيجة الأبرز هي تعدد مصادر القرار، وتعدد الكتل التي تقرر القضايا الحاسمة في البلاد وفي مقدمتها قضابا الحرب والسلام، وتقرير شوؤون البلاد العليا، وأخطرها ما يتصل بالوحدة الوطنية. وهذا يزيد من صعوبة أتخاذ القرارات الحاسمة / المصيرية.
وبالضبط في هذه النقطة تبرز أهمية وجود قيادات حكيمة تعني بمسألة وحدة إيران السياسية في خضم توجهات انفصالية قوية، لمجاميع سكانية عانت الكثير من النظام الديني ومنها الحركات التحررية: الآذرية، العربية، الكردية، البلوشية، التركمانية، اللورية،
من المرجح بشدة أن لا تعود إيران كما كانت قبل آذار / 2026، وهذا الموقف يستدعي قادة حكماء، يوقفون التدهور في الموقف، والنظر بعقلانية للمستقبل وترميم البلاد، ونبذ سياسات التطرف والعنف، ونيل المكاسب بالقوة. والقبول بقرارات توفيقية. الحرب لم تنته، وما يزال مفتوح على كافة الاحتمالات، فإيران طرحت نفسها طيلة عقود دولة غير موثوقة، لا تحترم وعودها، وتجانب الحقيقة فيما تطرح، ولذلك لم تكن طرفا مقبولاً قي ساحة التعامل الدولي. وحين سيجري جرد تام لما قامت به، سيصاب الشعب الإيراني بصدمة قبل الرأي العام الدولي. وسيسقط نظام ولاية الفقيه سقوطاً قانونيا واخلاقياً وشرعياً سقوطاً مريعاً.
□ ناشط سياسي