الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
لحظات الخوف

بواسطة azzaman

لحظات الخوف

ثامر محمود مراد

 

في تلك المدينة التي علّقت قلبها بين السماء والإسمنت، لم تعد الأصوات القادمة من العلوّ نُذرًا بالعاصفة، بل صارت كأنها لحنٌ محفوظٌ في ذاكرة الجدران.

تتعلم الآذان هناك أن تميّز طبقات الخوف كما يميّز العازف مقاماته؛ فالنغمة الحادة تعني أن الليل سيطول، والنغمة المكسورة تعني أن الأطفال سيكملون أحلامهم تحت الأرض. لم يعد أحد يلتفت إلى البداية، لأن النهاية مؤجلة دائمًا، تتدلّى كنجمة بعيدة لا تصل إليها يد.

في الملاجئ، تُصنع حياة أخرى. تُعلّق الأمهات الغسيل على حبالٍ من صبر، ويعدّ الآباء أنفاسهم كما لو كانت خرزات مسبحة، أما الصغار فيرسمون شمسًا مربوطة بسقفٍ واطئ، ويقنعونها أن تشرق من فتحةٍ صغيرة في الجدار.

الإنذار هناك لم يعد صيحةً، بل صار ساعةً تضبط إيقاع الأيام؛ حين يعوي، تُطفأ المواقد، وتُغلق النوافذ، وتُفتح القلوب على اتساعها. كأن الحياة قررت أن تتقمص هيئة نفق، تمشي فيه بخطىً حذرة، لكنها لا تتوقف.

وحدها الجدران تعرف كم من الحكايات تشربت، وكم من الدموع تبخرت قبل أن تسقط. وحدها الأرض تفهم أن الذين احتموا بها لم يفعلوا ذلك خوفًا فقط، بل حبًا بما فوقها.

هناك، في حضن الظل، يتعلم الناس أن يحوّلوا الرعب إلى إيقاع، والانتظار إلى عادة، والنجاة إلى طقسٍ يوميّ.

فإذا سكت الصوت فجأة، ارتبك الجميع… لأن الصمت في مدينةٍ اعتادت العواء، أشدُّ غموضًا من الخطر نفسه.أعلى النموذجثثأسفل النموذج.

 


مشاهدات 78
الكاتب ثامر محمود مراد
أضيف 2026/03/07 - 2:14 AM
آخر تحديث 2026/03/07 - 5:47 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 277 الشهر 5708 الكلي 14959777
الوقت الآن
السبت 2026/3/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير