أذا أحترق جارك يدخل الدخان دارك
موفق البياتي
في ليلة الثامن والعشرين من هذا الشهر وقد استحكم صمت الدخان وتلبد أفق الاحداث بغيوم النذر الداكنة ، أستشففت ببصيرة المتأمل – لا بظن العابر -ارهاصات حرب توشك أن تندلع في هذه المنطقة فسجلت رؤيتي في مقال نشرته في هذه الجريده الغراء تحت عنوان (في الليلة التي تسبق تبدل الخرائط ) أو (حافة النار ) عرضت من خلاله لشهادتي لما انعقد عليه الوجدان قبل ان يتجلى في ساحة العيان ، ولم تكد شمس اليوم التالي تشرق حتى أنشق الصبح عن السنة اللهيب ،فكان الواقع صدى النبوءة ،وكان الحدث تجسيداً لما خطٌه القلم واستشرفه العقل .
واليوم وقد انقلب التوقع يقينا ، وغادرت النبوءة حيٌز الاحتمال الى ميدان الوقوع ،يغدو القلم امام تكليف لا محيد عنه ،ومسوؤلية لا مناص منها : ان يدٌون ما ينبغي في خضم هذه العاصفة العاتية ،وان يستشرق معالم ما بعدها ،حيث تتخلق المصائر وتصاغ ملامح الغد من رحم المحنة ،وتعاد كتابة التاريخ بمداد الالم ورجاء الخلاص .انها لحظة يستنطق فيها الفكر حكمته ويستنفر الضمير مسوؤليته ،وتستدعى الحكمة لتكون بوصلة في متاهة الاحداث ونوراً في دياجير الفتن ، وسجلاً خالداً بخط شهادة الزمن حيث يضطرب، والتاريخ وهو يتشكل .
لم تعد الحرب احتمالاً يناقش من على شاشات التلفاز بل واقعاً يطرق ابواب المنطقة بقبضة من نار ،وحين تشتعل السماء فوق ايران لا يحق للعراق ان يتفرج من شرفة البيت لانه ليس جاراً بعيداً بل جغرافية في قلب العاصفة .
الحرب حين تشتعل لا تسأل عن الحدود ولا تعترف بالحياد اللفظي ، بل تبحث عن الثغرات ،واول هذه الثغرات هي الدولة المتعبة .
قرار الحماية
ان الخطر الاكبر ليس ان يقف العراق مع طرف او ضده ، بل الخطر ان نتحول بصمت او بعجز الى ممر للأخرين، فالتاريخ القريب علمنا ان ارض الرافدين كثيراً ما كانت ساحة تصفية حسابات او صندوق بريد للرسائل النارية او ممراً للنفوذ المتقاطع .
والسؤال الذي يجب طرحه الٌان وبكل جرأة :هل نملك اليوم قرار حماية حدودنا السياسية قبل حدودنا الجغرافية ؟ بالذات عندما تكون الحرب ليست صواريخ او طائرات فقط ، بل اقتصاد مرتجف يترقب ،فحين تدق طبول الحرب لا يبقى النفط مجرد برميل ،والدولار لا يبقى مجرد ورقة والمصارف لا تبقى مؤسسات صامته ،ذلك ان اي اضطراب اقليمي يعني اهتزازاً في سوق الطاقة وتوتر في سلاسل الامداد وقلقاً في حسابات الاوراق المالية ، وربما موجة هلع اجتماعي ، كل هذا لان الدول القوية هي من تدير الازمات ،اما الدول الضعيفة فهي التي تدفع الفاتورة .
وفي ازمنة الحرب ،الرصاصة تسمع لكن الشائعة تصدق ،ووسائل التواصل تتحول الى مصانع ذعر والمعلومة غير الدقيقة تتحول الى حقيقة شعبية .
في ازمنة الحرب الناس تبدأ بتخزين ما تستطيع ،وتخزين الخوف يكون اكثر من تخزين الغذاء ،واذا ما غاب خطاب الدولة الحازم والواضح ،فسيملأ الفراغ كل صوت غير مسؤول
النذر ليست بعيدة عنا ،فاذا لم نقرأها بعقل دولة، فقد نفاجأ بأننا لم نكن طرفاً في الحرب بل في ساحاتها ،وحين تشعل الامبراطوريات نيرانها فأن المدن الكبرى لا تحترق فيها اولاً ،بل الاطراف الاكثر ضعفاً
لقد علمنا التاريخ درساً لا يجب ان ننساه ،ان الحرب لا تخرج كما دخلت ولا تنتهي حيث بدأت ،وانها وبالتاكيد لن تترك الخرائط كما كانت ،فهل سنقرأ الدرس جيداً هذه المرة ، ام سنكتفي بدور المتفرج حتى تكتب النار فصلها علينا .
العراق ليس بعيداً عن النار ، فهو في قلب الجغرافية التي تتقاطع فيها الصواريخ والمصالح والرسائل المتبادلة ، والتاريخ القريب لا يحتاج الى ذاكرة قوية ليتذكر كم دفعنا من الفواتير مضاعفة من ديون الحروب .
صحيح ان الحياد حكمة جميلة في البيانات ..لكن الحروب لا تقرأ البيانات ، بل تقرأ موازين القوة ، والدولة الضعيفة المترددة لا تستطيع ان تجد نفسها الأ داخل هذه الحرب .حيث لا قيمة للمبادئ فالحرب لا تسأل عن مبادئك بل تسأل عن ضعفك
والدولة الضعيفة لا تستطيع ان تكون خارج الحرب من دون ان تملك قراراً وطنياً موحداً ، فهل تملك مثل هذا القرار ام نملك جغرافيا مفتوحة على احتمالات الآخرين ،وكلما ازدادت الدولة ضعفاً فأن ارضها ستصبح ممراً، والممر لا يستشار بل يستعمل .
وفي كل مرة يشتعل فيها الشرق تظن بعض البلاد انها بعيده عن الشرارة ،متناسية ان الريح لا تحتاج الى تأشيرة دخول ، والعراق كما البيت القديم الذي يتوسط عملاقين يتشاجران ،البيت لا يشارك في الحرب ،لكن جدرانه ترتجف ،والخطر كل الخطر لا في ان تسقط قذيفة عليه فتهلكه بل الخطر في ان يسقط القرار او ان يكتنفه غموض .
زوايا متعارضة
والنخبة السياسة السياسة في هذه المرحلة ليست معذوره ان اخطأت التقدير كما انه ليس مسموحاً لها ان تنقسم في لحظة تحتاج فيه الى التماسك والوضوح .اما اذا كانت هذه النخبة ترى المشهد من زوايا متعارضة ،فأن الوطن هو من سيدفع ثمن هذا التنازع .واخيراً فأن الوطن لا يحتمل رفاهية الحسابات المتنازعة الآن ،فأما ان تكون النخبة على مستوى الدولة، أو أن تكون الدولة ضحية مستواها .
□ قاض متقاعد