الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين يتحوّل العمق إلى ضجيج

بواسطة azzaman

حين يتحوّل العمق إلى ضجيج

العلاء صلاح عادل

 

لم تعد الفلسفة، في كثير من الفضاءات المعاصرة، فعلَ تفكيرٍ بقدر ما أصبحت أداءً صوتيًا. انتقلت من مجال السؤال الهادئ إلى ساحة الاستعراض، ومن البحث عن المعنى إلى التسويق للذات. وهنا تحديدًا يبدأ التحوّل الخطير: حين يُستبدل العمق الحقيقي بضجيجٍ لغويٍّ يُقدَّم على أنه فكر.في المنصّات الرقمية، وعلى منابر النقاش العام، يظهر من يدّعي الفلسفة بملامح واثقة، وخطابٍ مثقل بالمصطلحات، لكنه خالٍ من المساءلة. يتحدّث عن الوجود، والعدم، والذات، والآخر، دون أن يلامس الواقع أو يطرح سؤالًا يمكن الإمساك به. يراكم المفاهيم لا ليشرحها، بل ليُربك بها، وكأن الغموض بحدّ ذاته دليل عمق.المشكلة لا تكمن في تعقيد الفلسفة؛ فالفلسفة بطبيعتها معقّدة، بل في توظيف هذا التعقيد كقناع. حين يصبح المصطلح بديلاً عن الفكرة، والاقتباس بديلاً عن الفهم، يتحوّل الخطاب الفلسفي إلى ضجيجٍ نخبويٍّ معزول عن الناس وقضاياهم. عندها لا نكون أمام فكر، بل أمام سلطة رمزية تُمارَس بالكلمات.هذا النمط من الادّعاء لا يُنتج معرفة، بل يُعيد إنتاج الوهم. المتلقي يشعر بالعجز لا بسبب قصوره، بل بسبب خطابٍ يرفض الوضوح، ويتغذّى على الإبهام. وهنا يُساء إلى الفلسفة مرتين: مرة حين تُختزل في استعراض لغوي، ومرة حين تُقدَّم بوصفها شأنًا مغلقًا لا يحق الاقتراب منه إلا “للمختارين”.تاريخيًا، لم تكن الفلسفة يومًا صراخًا. سقراط كان يسأل أكثر مما يُجيب، وكان أقرب إلى الناس في السوق لا إلى الأبراج العالية. الفلاسفة الكبار لم يكتبوا ليُدهشوا، بل ليُقلقوا السائد ويهزّوا اليقين. أما اليوم، فقد انقلب المشهد عند بعضهم: الهدف ليس زعزعة المسلّمات، بل تثبيت صورة ذهنية عن “المفكّر المختلف”.الأخطر من ذلك أن هذا الضجيج يملأ الفراغ العام، ويُقصي الأصوات الجادّة. فحين يعلو الادّعاء، يتراجع التفكير النقدي، وحين تتحوّل الفلسفة إلى هوية اجتماعية أو علامة تميّز، تفقد دورها بوصفها أداة للتحرّر العقلي.إن الفلسفة الحقيقية لا تحتاج إلى صخب، ولا تخشى البساطة. هي قادرة على أن تكون عميقة وواضحة في آنٍ واحد، قاسية في أسئلتها، لكن صادقة في مقاصدها. أما من يدّعيها دون أن يمارسها، فلن ينتج سوى ضجيجٍ آخر… ضجيجٍ قد يبدو عميقًا، لكنه في الحقيقة فارغ. في زمن الضوضاء، ربما يكون التفكير الهادئ هو أكثر الأفعال راديكالية. وربما يكون الصمت أحيانًا أصدق من ألف مصطلح.

 

 

 

 


مشاهدات 53
الكاتب العلاء صلاح عادل
أضيف 2026/02/14 - 4:53 PM
آخر تحديث 2026/02/15 - 5:10 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 200 الشهر 11208 الكلي 13942852
الوقت الآن
الأحد 2026/2/15 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير