ما لا يرى.. حين يصير الجسد روحاً ولغة صامتة
معرض يعمل على إستكشاف ما يحدث خلف المرئي
ياس خضير البياتي
لا يقدم معرض «ما لا يُرى» للفنانة التشكيلية تيسير كامل حسين نفسه كحدث بصري عابر، بل يمتد ليكون تجربة تأملية تتخطى حدود الفلسفة، حيث يصبح الجسد سؤالاً مفتوحًا، واللون علامة، والصمت تعبيرًا يحمل دلالات عميقة.
نحن هنا أمام مشروع فني لا يعتمد على الفخامة الشكلية، بل يتوغل في مناطق الحساسية والفهم البشري المتقلبة، حيث تتداخل الذاكرة مع الزمن، والانكسارات مع مشاعر الغياب. منذ الوهلة الأولى، يأخذنا العنوان لمواجهة تناقض دلالي: ما الذي لا يمكن رؤيته؟ هنا يكون العنوان بمثابة فخ جمالي يدفع المشاهد نحو تجاوز الرؤية السطحية، نحو أنواع من «الإصغاء البصري».
المعرض لا يحتفي بالمرئي فقط، بل يعمل على استكشاف ما يحدث خلفه: الأثر، الظل، التلاشي، وما يبقى من الجسد بعد محاولات الحياة.
الجسد: من صورة إلى أثر
في أعمالها، الجسد ليس جسدًا يحمل معاني مباشرة، بل هو جسد ذو أثر؛ يتشكل ويتفكك في ذات اللحظة. أجساد بلا أسماء، بلا ملامح واضحة، بلا وجود ثابت.
شخصيات تتجاوز هويتها الفردية لتمثل حالة إنسانية عامة، هشة وزائفة، عرضة للانكسار والمقاومة في ذات الوقت. هنا يصبح الجسد فضاءً للذاكرة والأحاسيس الوجودية.ومع ذلك، لا يُستدعى هذا الجسد ككيان مادي كامل، بل كحد فاصل واهٍ بين المرئي واللامرئي، بين ما يمكن لمسه وما يتجاوز السيطرة دائماً.
لذا، فالجسد في هذا المعرض ليس هدفاً للتصوير، بل هو وسيط يعبر من خلاله الروح، تاركًا أثرها دون التعرض لصورتها. لهذا فإنه يبدو في معظم الأعمال غير مكتمل، متآكلاً، أو في حالة ذوبان، كما لو أن الفنانة تقصد تفريغه من وزنه الفيزيائي ليحل محله شحنة روحية غير مرئية ولكن محسوسة.
الروح هنا لا تُعرض ككيان غريب عن الجسد، بل كقوة تمنح للجسد الاضطراب وتعيد تشكيله. لا تظهر الروح كرمز منفصل، بل تتجلى من خلال توترات الجسد، ومرونته، وانحناءاته، وتردده بين الانقباض والانفلات. كل حركة أو انكسار في الجسد ليست مجرد حركة فيزيائية، بل هي صدى داخلي لشعور عميق: كحزن مؤجل، رغبة مكبوتة، أو بحث صامت عن مغزى. من هنا يصبح الجسد لغة، وتصبح الروح المعنى الغائب الذي لا يُعبّر عنه بصراحة، بل يُلمح من خلال الصمت، والتفكك، والألوان.
اللون: طاقة شعورية لا شكل زينة
تتعامل الفنانة مع اللون كطاقة نفسية، وليس كعنصر زخرفي. فعندما يبدو الأرجواني والبنفسجي كألوان مسيطرة في أغلب الأعمال، فإنهما لا يرمزان إلى الرومانسية، بل يفتحان أمامنا مجال العزلة، والانطواء، والتأمل الداخلي.
وفي مقابل هذا الهدوء المتوتر، تظهر ألوان جريئة وصاخبة في بعض اللوحات كصرخات مكتومة، تخلق توترًا بصريًا يعكس الصراع الداخلي للجسد، وليس إنفعالاته السطحية. في الكثير من الأعمال، يظهر الضوء وكأنه يخرج من أعماق الكتل الجسدية بدلاً من أن يكون مستمدًا من سطحها، مما يؤكد أن الروح هي مصدر الإضاءة للجسد، بينما يبقى الجسد محاولة غير مكتملة لاحتواء هذا الوهج.
هكذا، ينزلق اللون ليصبح له دور روحي، بينما يضعف الخط ليظهر هشاشة الشكل وعجزه عن تجسيد الجوهر. أما تدفق الألوان والتدفقات غير المنضبطة، فإنها لا تُفهم على أنها عفوية تقنية فحسب، بل تعبر بصريًا عن فقدان السيطرة، وتعاون الألم والذاكرة؛ لأن الألم لا يُستعاد دائمًا بانتظام، ولا تتشكل الذاكرة في خطوط مستقيمة. هذا التفكك المتعمد يتماشى مع فكرة الجسد كنتاج لتراكم الزمن، وليس كحاضر مكتمل.
الظل والقرين البصري
تظهر في العديد من الأعمال الفنية عناصر خلفية عمودية أو ظلال متوازية مع الجسم، يمكن اعتبارها بمثابة قرين بصري يعبر عن الذاكرة، الخيال، أو وجودية غير مكتملة. هذه العناصر ليست واضحة بذاتها، بل تفتح آفاقًا للتفكير وتحفز المتلقي على الربط بين الجسد وما يتبعه: هل الظل يمثل الماضي؟ أم هو السلطة؟ أم هو ما لم يعبّر عنه بعد؟
في هذا الإطار، يتضح النزاع بين الجسد والروح عندما تحاصر الكتل الداكنة أو الضربات القوية الجسد، وكأن الوزن المادي يحاول تقييد الروح. لكن، لا يُحسم هذا النزاع لصالح أي من الطرفين؛ فالجسد لا يثبت كحقيقة ثابتة، ولا الروح تستطيع التحرر كليًا من قيودها. إنها علاقة متوترة ودائمة، تتجلى كغلبة وجودية، مما يجعل من الجسد ساحة للتحدي، ومن اللوحة منصة لصراع خفي.
التحليل التشكيلي والنفسي
من الناحية التشكيلية، تنتمي هذه الأعمال إلى التعبيرية المعاصرة مع لمسات من التجريد اللغوي. تعتمد الفنانة على ضربات فرشاة جريئة تضاف إليها أحيانًا سكاكين الرسم، مما يُضفي على السطح ملمسًا خامًا يُعزز حيوية العمل. ويتضح التباين اللوني بين الألوان الباردة والدافئة، مما ينتج دراما بصرية تحدد مواقع الثقل داخل اللوحة.
نفسيًا، تعبر الأجساد شبه المكتملة عن ازدواجية الوجود والغياب، وعن حالة من الاغتراب أو البحث المستمر عن الهوية. غياب الخصائص المميزة يشير إلى عمومية التجربة الإنسانية؛ فالبطل هنا ليس فردًا محددًا بل يعبر عن شعور إنساني متجرد: الحزن، الرغبة، الانتظار.
يُعتبر هذا المعرض ذات ميزة خاصة كونه لا يقدم تفاصيل جاهزة، ولا يملي قراءة معينة، بل يتيح للمتلقي إمكانية إدماج تجربته الخاصة في العمل. هنا، يتجلى الصمت كلغة غنية وليس كفراغ؛ صمت كثيف ومكثف، يضيف معاني جديدة بدل أن يبددها.
في النهاية، يمثل معرض «ما لا يُرى» علامة على ولادة فنية مدروسة، تعكس صوتًا تشكيليًا أنثويًا ناضجًا، حيث يتم تناول الجسد كفكرة وجودية لا كصورة كاملة، والروح كمعنى غائب يعبر عن الحضور. تجربة ما تزال تبحث، لكنها تمتلك الجرأة والصدق الكافيين لتراكم، وتغامر، وتدهش.
إنه معرض يمكن إدراكه ليس فقط من خلال البصر، بل أيضًا من خلال الشعور... وصمت بصري يترك أثــــــره طويلاً بعـــد مغـــــــــــادرة القاعة.