الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الكنيستان الآشورية والكلدانية قضية واحدة.. لماذا يفشل قادة المسيحيين في توحيد الصف؟

بواسطة azzaman

الكنيستان الآشورية والكلدانية قضية واحدة.. لماذا يفشل قادة المسيحيين في توحيد الصف؟

روبيرت ملحم

 

يُعدّ الصراع بين قادة كنيسة المشرق الآشورية والكنيسة الكلدانية من أكثر القضايا حساسية وتعقيدًا في المشهد المسيحي العراقي والشرقي. فهو صراع لا يقتصر على الاختلافات الدينية، بل يمتد ليشمل أبعادًا تاريخية وقومية وسياسية، ما جعله حاضرًا بقوة في الخطاب الكنسي والإعلامي على حد سواء.

تعود جذور هذا الخلاف إلى القرون الأولى للمسيحية، وبشكل خاص إلى ما أعقب مجمع أفسس عام 431 ميلادية، حين سلكت كنيسة المشرق مسارًا لاهوتيًا وتنظيميًا مستقلًا عن الكنائس المرتبطة بروما. واستمر هذا الاستقلال لقرون طويلة، إلى أن شهد القرن السادس عشر انقسامًا داخليًا أدى إلى اتحاد جزء من كنيسة المشرق مع الكرسي الرسولي، ما أسفر عن تأسيس الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية.

نقطة تحول

هذا الانقسام التاريخي لم يكن مجرد حدث ديني عابر، بل شكّل نقطة تحوّل كبرى أعادت رسم خريطة الانتماءات الكنسية، وفتحت الباب أمام خلافات لاحقة ما زالت آثارها حاضرة حتى اليوم. بينما على الصعيد اللاهوتي، تقلّصت الفوارق العقائدية بين الكنيستين بشكل ملحوظ في العقود الأخيرة، خاصة بعد الحوارات المسكونية والبيانات المشتركة التي أكدت تقارب الإيمان بين الطرفين.

غير أن الخلاف الإداري والتنظيمي بقي قائمًا، إذ ترتبط الكنيسة الكلدانية إداريًا وروحيًا بالفاتيكان، في حين تؤكد كنيسة المشرق الآشورية على استقلالها التاريخي وخصوصيتها الكنسية.

هذا التباين في البنية التنظيمية أسهم في تعميق الفجوة، خصوصًا حين تداخل مع ملفات النفوذ والتمثيل الكنسي داخل العراق والمهجر.

يمثل البعد القومي أحد أكثر عناصر الصراع حساسية. فقيادات وأوساط واسعة في كنيسة المشرق الآشورية ترى في الكنيسة حامية للهوية الآشورية وامتدادًا لتاريخ قومي عريق. في المقابل، تميل قيادات في الكنيسة الكلدانية إلى التأكيد على الهوية الكنسية الجامعة، رافضة ربط الكنيسة بقومية محددة، ومعتبرة أن هذا الطرح قد يضيّق من رسالتها الروحية.

مقاربة هوية

هذا التباين في مقاربة الهوية انعكس بشكل واضح في الخطاب الإعلامي والسياسي، وأحيانًا تحوّل إلى تبادل اتهامات، ما عمّق الانقسام داخل المجتمع المسيحي نفسه ولا يمكن إغفال دور القيادات الكنسية في إدارة هذا الصراع. ففي مراحل معينة، أسهم الخطاب التصعيدي في تأجيج الخلاف وزيادة حدّته، بينما شهدت مراحل أخرى محاولات جادة للحوار والتقارب، خاصة في ظل التحديات الوجودية التي تواجه المسيحيين في العراق، من تراجع ديمغرافي، وهجرة واسعة، وضغوط سياسية وأمنية متواصلة.

ويرى مراقبون أن غياب رؤية مشتركة موحّدة بين القيادات الدينية ساهم في إطالة أمد الخلاف، على حساب وحدة الصف المسيحي في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها المنطقة، بات واضحًا أن استمرار الصراع الداخلي يضعف الحضور المسيحي ويشتت الجهود في الدفاع عن الحقوق والوجود. فالتحديات التي تواجه أبناء الكنيستين واحدة، والمصير في كثير من جوانبه مشترك، ما يفرض مراجعة جادة للمواقف والخطابات السائدة.

يكفي ... استحلفكم بالله الذي تعبدوته!!

إن الصراع ما بين قادة كنيسة المشرق الآشورية والكنيسة الكلدانية هو نتاج تاريخ طويل من الانقسامات والتراكمات اللاهوتية والقومية. هذا الانقسام أضعف الصوت المسيحي في العراق والمهجر، وشتّت الجهود في الدفاع عن الحقوق، وأفقد المجتمع القدرة على بلورة موقف موحّد في لحظات مصيرية. ومع كل جولة تصعيد إعلامي أو خطابي، كانت الفجوة تتسع أكثر بين الكنيسة وقواعدها الشعبية التي تبحث عن الأمان والكرامة قبل أي اعتبارات أخرى.

اليوم، وفي ظل التراجع الديمغرافي المتسارع، تبدو الحاجة ماسّة إلى مراجعة شجاعة تعيد الاعتبار لمعاناة الناس لا لمكانة القيادات. فاستمرار هذا الصراع لا ينتج سوى مزيد من الخسائر، بينما لا يملك الشعبان ترف الانقسام في زمن تتآكل فيه فرص البقاء.

إن إنهاء هذا الخلاف، أو على الأقل تحييده، بات مسؤولية تاريخية وأخلاقية. فالشعوب لا تُبنى بالصراعات الداخلية، بل بوحدة الرؤية والعمل، وهذا ما ينتظره الآشوريون والكلدان من كنائسهم اليوم قبل الغد، فبدون وحدة الرؤية وتكامل الجهود، سيبقى هذا الصراع عبئًا ثقيلًا على حاضر ومستقبل المسيحيين في العراق والشرق الأوسط.

 

 


مشاهدات 69
الكاتب روبيرت ملحم
أضيف 2026/02/14 - 1:11 AM
آخر تحديث 2026/02/14 - 3:15 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 120 الشهر 10243 الكلي 13941887
الوقت الآن
السبت 2026/2/14 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير