حاسبوا سيادتهم
محمد حمزة الجبوري
السيادة التي تستخدم لإسكات الناس ليست سيادة وأنما حيلة سياسية رخيصة ومن يختبئ خلفها كلما طلب منه كشف حساب لا يدافع عن الدولة بل عن نفسه؛ الدولة القوية لا تخاف السؤال والسلطة الواثقة لا ترتجف أمام المحاسبة؛ الارتجاف دليل ذنب أو على الأقل دليل فشل؛ في هذا البلد تحولت السيادة إلى كلمة مطاطية تمد وتقص بحسب مصلحة المتحدث تستدعى عند الفضائح وتشهر عند الفشل وترفع كعصا تهديد بوجه كل من يقول: قف ماذا فعلتم؟ أين ذهبت ثروة البلاد الضخمة؟ لماذا انهارت المؤسسات؟ ولماذا ندور في المكان نفسه منذ سنوات؟
أي سيادة هذه والثقة بالنظام السياسي تتلاشى والاقتصاد يتآكل والخدمات تدار بعقلية الصدقة، والقرار السياسي مرتهن، والفساد يعيش في وضح النهار بلا خوف والامبراطوريات تتضاخم؟ هل السيادة أن تفشل ثم تطلب التصفيق؟ أم أن تدمر ثم تتهم من يسأل بالخيانة؟ هذه ليست سيادة هذا استخفاف بعقول الناس الأخطر أن الفشل لم يعد خطأ يستوجب الاعتذار أصبح مرحلة تسوق، وتبرر، ثم تغلق بلا حساب؛ حكومات تأتي وتذهب مليارات تصرف، نتائج صفرية، ولا أحد يسأل؛ وكأن الدولة شركة مفلسة يسمح لمدرائها بالهرب قبل فتح الحساب ؛ السيادة الحقيقية تتمظهر في إعادة الاواصر الوطنية والعرى التي انفصمت ونشر البصيرة السياسية وانقاذ البلاد من رقدتها الحضارية؛ السيادة لا تقاس بعدد البيانات النارية بل بقدرة الدولة على محاسبة كبارها قبل صغارها من كان في موقع قرار وأوصل البلاد إلى الانهيار الاقتصادي، أو شل المؤسسات، أو فتح الأبواب أمام الفساد، لا يستحق الحماية والتحصين، بل المساءلة العلنية وتعزيز النقد السياسي وقناة المراقبة العامة وتحرير الصحافة من الهيمنة والاستدراج لما لها من دور مركزي حاسم في التأثير المباشر على الراي العام صانع السلطات وشرعيتها غير ذلك نحن لا نبني دولة، بل نكرس عصابة حكم أنيقة كفى متاجرة بالمصطلحات؛ كفى تحويل الوطنية إلى درع للفساد؛ كفى تخويف الناس بشعارات جوفاء؛ المواطن لا يريد خطبة، يريد حقيقة؛ لا يريد شماعات، يريد أسماء لا يريد وعوداً جديدة، يريد حساباً قديماً يُفتح بلا رحمة ومال يسترد بلا مراوغة وأحكام تنفذ بلا هوادة ؛ من هنا ارى حتمية استدعاء «عقيدة سياسية» مغايرة تعتمد الهوية الوطنية والاصلاح الجاد المنزوع من الرجعية السياسية وصولا الى نهضة سياسية تكون مقدمة لمشروع دولة قادرة فاعلة متصالحة مع رعاياها خادمة لهم وليست امبراطورا فوقهم.
“حاسبوا سيادتهم” ليست جرأة لغوية، بل واجب وطني ومن يغضب من هذا الطلب، فليغضب ؛ الدولة لا تبنى بإرضاء الفاشلين، بل بكشفهم ومسألتهم والسيادة التي لا تبدأ من محاسبة الكبار لا تستحق أن تذكر.