لماذا تنجح سوريا ويتخبّط العراق ؟
فاتح عبدالسلام
كان السوريون يكرهون روسيا أكثر من كرههم إيران ومليشياتها، وهم يخوضون معركة تحرر شعبهم من يد حكم عائلة الأسد ومخابراته. فقد كان القصف الروسي القوة الوحيدة التي حسمت الميدان لصالح الأسد. ومن دون الغارات الجوية الماحقة لم يكن لجيش متهالك بيد شخص شبه غائب عن العالم ان يستطيع منع المعارضة من السيطرة على العاصمة دمشق.
سألت في السنوات السابقة، ضابطا في الجيش السوري الحر، فقال لي ان المواجهة الصعبة كانت مع القوات الجوية الروسية كون قوات المعارضة خالية من أي غطاء.
اليوم نجد الرئيس السوري احمد الشرع الذي كان ملاحقا من الطيران الروسي من الغوطة الى ادلب مرورا بحلب، يجلس الى جنب رئيس روسيا بوتين في محادثات تصب في مصلحة البلدين.
هذه السياسة حكيمة، لرئيس يعرف ان بلده مخرب الأركان والنواحي وبحاجة الى النهوض مجددا، ليس من خلال الاستمرار في مسالك المعاداة لموسكو كونها قاتلت ضدهم، وانما من خلال تغليب المصلحة الوطنية واستحقاقات بلد، تنتظر ملايينه المعذبة ان تعود الحياة الطبيعية فيه.
هذا هو التوازن العميق ذو التوقيتات الصعبة في الذي يقوم به الشرع في التحاور مع مختلف الأقطاب الدولية، إذ كنا نراه بالكاد اغلق الهاتف مع الرئيس الأمريكي ترامب ليطير في اليوم التالي الى موسكو ويحادث بوتين، وقبلها انفتح على كل العرب الذين عاشوا سنوات طويلة من العداء مع سوريا.
هناك، نواقص كثيرة في تشكيلة الحكم في سوريا، وهناك أخطاء في مسالك معينة، وهذا أمر طبيعي لكل بداية جديدة من الصفر أو دون الصفر أحياناً، لكن الذي يحسب للرئيس السوري انه قام عمليا وفكريا واجرائيا بالانتقال من مرحلة “الجولاني” التي يعتز بتضحياتها ويقر بانتهاء دورها الى مرحلة “الشرع” ، الرئيس الذي عليه واجب النهوض بكل البلد والانتقال به من حالة الى أخرى.
هذه العقلية لو توافرت في التركيبة السياسية في العراق، لما وصلنا الى المأزق السياسي الذي نراه اليوم، بحيث يتدخل الرئيس الأمريكي بنفسه في منع مرشح يرى فيه نقطة خلافية في وضع إقليمي ودولي متفجر مع ايران او المحيط، في حين يرى ترامب في الرئيس السوري نقطة للتلاقي لا للافتراق.
لماذا حدث هذا؟ ألم يكن أعداء أمريكا اليوم أصدقاءها الحميمين عند اسقاط النظام السابق وفي السنوات التي تلت؟ وكنّا نرفض هذا التخادم المريض بين القوى العراقية وجيش الاحتلال، وكانوا غير مبالين بأي انتقاد لأن البيت الأبيض البوشي معهم.
ما الذي حدث اليوم، ما هو الفكر العقائدي الجديد الذي اعتنقوه لصالح ترك أفكارهم السابقة. لا شيء، سوى انتهازية سياسية قاصرة مارسوها في التعامل مع العراقيين، ونسوا أنفسهم وغرّتهم الحياة الفاخرة المكتنزة بالمليارات المنهوبة من دون سؤال، وظنوا أنهم امتلكوا الكلمة التي بإمكانهم فرضها على أسياد الامس.