همسات ساخنة .. ومضات هادئة
مَن يربح العراق ويضمن إستقرارَه ؟
لويس إقليمس
ليس من السهل التكهّن بمستقبل ومصير العراق وشعبه في ضوء المتيسر من خلاصة ما بعد الضياع الأكبر منذ السقوط الدرامي غير الحكيم قبل أكثر من عقدين من الزمن الغادر. فغياب الشيمة الوطنية الصحيحة مقرونًا بالجهل بما يصلح من استراتيجية سياسية واقتصادية وتربوية وبنيوية راقية لدولة مدنية ناجحة مايزال يشكل العائق الأكبر في مسيرة الإصلاح والبناء والتنمية الحقيقية الناضجة التي تمناها وما يزال يترقبها بشوق كبيرٍغالبيةُ الشعب الرافديني الكادح والرازح تحت نير ما يُسمّى بالاستحقاقات الجهادية والرموز النضالية التي خابت وخيّبت الظنون بساسة البلاد غير المهَرَة ما بعد السقوط ولما يزيد من عقدين خاسرين وضائعين من الزمن في كلّ شيء وأيّ شيء. نحن اليوم على أعتاب تشكيل حكومة جديدة بعد انتخابات «ديمقراطية» مستوردة ومفروضة شكلاًمن جهة، وأسيرةٍ لتناقضات وتيارات متصارعة مضمونًا من جهة أخرى بسبب الصيغة التقليدية المستحدثة التي سيتم بها تقاسم الكعكة بين أحزاب السلطة ومثلّثها المتسلط دينيًا ومذهبيًا وعرقيًا. وهذا واضح بعد بروز لاعبين تقليديين متميزين لهم باعٌ في انتهاز الفرص لتثبيت أجواء مشحونة تخدم مصالحهم ومكتسباتهم المذهبية والحزبية الضيقة على حساب أطرافٍ أخرى من ذات المذهب أو من غيرهم من الشركاء المتكاثرين أميبيًا في تشكيلات الأحزاب الخائبة. وهؤلاء مازالوا «يعلكون» بذات المنهج في المساومة والابتزاز وفرض الذات استكمالاً لذات المنهج الانتهازي في الإبقاء على نظام التحاصص.
لستُ هنا بصدد تأييد أو انتقاد أو حصر مَن يستحق المنصب التنفيذي الذي تتقاذفُه رؤى هامشية لا تليق بوطن عمرُه يُقدَّر بآلاف السنين عندما كان سيّدَ الكلمة وباني الحرف وصانع القانون، فقط لكون الطبقة السياسية أصبحت تعيش خارج الزمن. كما لن أكرّرَ قولة الحق «المجرَّب لا يُجرّب» لكونها أضحت معروفة وقانونيةً لدى الجميع، حتى عند السذّج من أبناء شعب العراق البائس الذي ابتلي بهشاشة ساسته وناهبي ثرواته ومعكّري صفو استقراره وجاعليه في ذيل الشعوب الأكثر جهلاً وتخلّفًا ومن ضمن البلدان الأكثر فسادًا وتزويرًا. وما يُؤسفُ له حقًا، إثباتُ الشعب عدم قدرته على التخلّي عن جلاّديه بالرغم من تعرّضه للّدغ الغادر من نفايات يعيدُ تدويرَها جهلاً وتملّقًا في كلّ دورة انتخابية، ومنها ما تتوّجت سادستُها التهريجية الأخيرة التي أثبتت للآسف الشديد قناعةَ هذا الشعب الراسخة بالبقاء في بؤسه وتخلّفه وفقدانه القدرة لقول كلمة «لا» لذات الوجوه المتكرّرة في فسادها ونهبها واستخفافها به وبآماله وبمقدّرات البلاد. فساسة البلاد مازالوا على ذات النهج متعكّزين حينًا على القدرات الخاصة لأحزابهم وميليشياتهم وولاءاتهم وخنوعهم، وحينًا آخر يستنجدون بالغطاء الديني والمذهبي كلّما احتاجوا الدعم والاستنفار في صفوف الأتباع السذّج من المصدّقين بالادّعاءات والدعوات غير الرصينة التي ظاهرُها حماية الدين والمذهب وباطنُها الغَرفُ من مقدّرات البلاد وثرواتها بأساليب وطرق وأدوات استفحلت في خبراتها وحيَلها التي لم يسبقها حتى الشيطان، فأضحت بالنتيجة إبليس العصر.
وجوه تتكرر
اليوم، لا يهمني كما لا يهمّ الكثير من العراقيين مَن سيعتلي كرسيّ رئاسة الوزراء ويقتحم القصر المعدّ له سلفًا. فالوجوه هي هي ذاتُها التي تتكرّر منذ أكثر من عقدين خائبين. قد تختفي لكنّها تعود بفعل فاعل حاقد من خارج الأسوار أو حُكم جاهل مستنفع أو مشورة طامح متلصّص أو صمت مستغفل أو سكوت ناصح غير مؤتمَن يترقب الفرص لنيل ما يضمرُه في صمته وسكوته بحجة «ما ننطيها» أو بصيحات «لا تضيعوها» أو بدعوة «ما يهمّ أن يكون الشعب فقيرًا» أو بحسب صاحب نظرية « لا تأكل نستلة».
لا استقرار بدون ضامن لنجاح الوطن
هذه هي خلاصة قصة الترشّح والتبوّء والتخادم والتلاطف. شهادة حسنة مقابل مكتسبات مضمونة، وطمطمة مرهونة مقابل مثيلتها في عدم نشر الغسيل وكشف المستور من ملفات. وما أكثر من أشكال هذه الأخيرة لدى الكلّ وضدّ الكلّ. وأيّ ادّعاء بحصول إجماعٍ من صنفٍ وطنيّ صالح في هذا الخصوص هو ضربٌ من القفز على الحقائق الداخلية بين الأصدقاء الأعداء والمتخاصمين المعاندين والمتنافسين المتزلّفين اللاهثين وراء المناصب والكراسي و»المالات» بكلّ أشكالها وأصنافها، في الداخل والخارج، بل حتى في السياسة والاقتصاد والدبلوماسية المزّيفة التي تحوّلت عائليةً وراثية كشفت عن العورات والتفاهات والعناوين الرخيصة التي لا تليق بأبناء الفراتين ولا ببنات الرافدين. فلا حاجة لتصديع رؤوسنا بعبارات الأغلبية والتنسيقية والأكثرية العددية وما فيها وعليها من استحقاقات دستورية فارغة. لذا مَن يعتقد اليوم بحصول توافق للقوى المعنية في الاستحقاق الوزاري على رأس الحكومة الجديدة المرتقبة في الأيام القليلة المقبلة، فهو واهم لحدّ الخيبة في التفكير والتقييم والرؤية. فما أفرزته آخر الاجتماعات الإطارية لا يمكن الأخذُ به استحقاقًا حزبيًا أو كتلويًا أو شخصيًا بحدّ ذاته، طالما أنه خضع لتوازنات وتنازلات وإملاءات ومساومات ومماحكات وتغانمات وتخادمات على الكراسي والمناصب والتعيينات الموعودة وشفط الأمواال والثروات، كلٌّ على طريقته وقدرته وحنكته وحيلته والضغوط المتيسرة لديه ولدى كتلته وحزبه لنيل المرام حتى قاع «المُدام». فهذا السلوك بحدّ ذاته ليس توافقًا بقدر ما هو وسيلة لكشف العورات الخاصة بكلّ طرف في اللعبة السياسية القذرة التي يعيشُها البلد منذ أكثر من عقدين في ظلّ حماية الغازي المتفرّج المتنمّر، ورديفه الراهن الشرقي المتملّص المتسلّط في كلّ اتجاه وأيّ طرف والنافذ بكلّ غرفة سرّية وعلنية. مبدئيًا وبالنتيجة، فإنّ كلّ شيء يبدو بالاتفاق والتوافق النابعين من فكرة التخادم المصلحي والتوازن السلطوي لن يصل بالبلاد إلى برّ الأمان في استقراره وسيادته وصلاحه وارتقائه إلى سمات البلدان والأمم في مدنيته ورقيّه وتطوره وتقدمه في كلّ شيء. فلا صلاحًا أو إصلاحًا وطنيًا إذن، مادامت التقاطعات مشرّعة الأبواب في ظل هذه الأشكالية من التوافق والتخادم غير الصالحين وصولاً إلى حصيلة يجتمع إليها الغرماء الرئيسيون وهي صبغة الوراثة المستحدثة في سياسة وأسلوب تقاسم المناصب والكراسي والوزارات وميزانياتها بغاية الحصول على مكاسب وثروات تدرّ على الساسة وأحزابهم من وراء عقود ومشاريع، لا يهمّ سواءً كانت حقيقية أم وهمية، تمامًا كما حصل في سنوات جميع الحكومات السابقة بدون استثناء! ولعلّ ألشاهدَ الأفضل والأقرب لما جرى وحصل من مجازفات وانتهاكات وتصدّعات وتراجعات ومساومات وسرقة موازنات وغيرها من ممارسات طائفية مقيتة في عهد المرشح الإطاري الحالي الأوفر حظًا لغاية الساعة، قادرٌ بنفسه أن يكشف علنًا ما نوع وطبيعة السياسة الفاشلة التي انتهجها حينما فقدت البلاد ثلث أراضيها في أفضل محافظاتها ومدنها وقراها عندما سمحَ باستباحة مساكن مواطنيها المسالمين من مكوّنات أصيلة في عام 2014 حيث تراجع الجهدُ العسكري بالرغم من قدراته الكبيرة لصالح عصابات متطرفة قليلة العدد والعدّة شارك في تشكيلها وتسليحها ودعمها وتعزيز مواقعها وتمويلها أطرافٌ عديدة وسط تقاعس ونوايا مبيّتة للمرشح الحالي في زمن الولاية الثانية. فقد قيل وكُتب الكثير عن الحالة والأحوال، عن الوضع والأوضاع، عن الإرادة والنوايا وما سواها في ظلّ تناقضات حزبية ومذهبية وعرقية وطائفية أجّج أوارها «المجرَّب» المرفوض حتى من المرجعية التي بحّ صوتُها ومن راعي العملية السياسية مؤخرًا على لسان رئيس أكبر دولة عظمى رأت في هذا الترشيح كارثةً أخرى مضافة تزيد العراقيين فقرًا وتترك العراق يواجه مخاطر مصيرية محدقة سياسيًا واقتصاديًا.
مرحلة مفصلية
عراقُنا اليوم أمام مرحلة مفصلية، إمّا التوصل لحلول حكيمة وآمنة مع الغازي الأمريكي وراعي العملية السياسية في مسألة معضلة البقاء أسيرَ تقاطعات الغازي الأمريكي في تأثيره سلطويًا وسياسيًا واقتصاديًا والنادم على فعلته الأثيمة حين غزوه البلاد في 2003 وتغييره لنظام دستوري لدولة ذات سيادة رغم سلبياتها العشائرية والعائلية الكثيرة، ويجري هذا بالتوازي مع قرار التخلّي عن الرديف الشرقي المتخادم والطامع أرضًا وسماءً ومياهًا وهواءً بحجة غطاء الحفاظ على الدين والمذهب والخشية من تراجع نفوذ التمدّد المذهبي بعد فقدانه أدوات مماثلة فيما عُرف بمواقع الهلال الشيعي في السنوات القليلة المنصرمة، أو مواجهة كامل التحديات السلبية المنتظرَة بما فيها من ترسيخٍ لحقائق جيوسياسية وتأثيرات اقتصادية وتجارية مرتقبة، وما يلي هذه من وقائع منتظَرة على أرض الواقع في الردع والتهديد والإشارة والحسم كخيارات أخيرة ناجعة في ترميم الأحوال والأوضاع نحو عراق قوي حقيقي وليس كارتوني تتلاعب بمقدّراته أحزاب السلطة وميليشياتُها المتناثرة في كلّ مكان وموقع ومنصب.
في المحصلة، نخلص بنتيجة فاعلة حكيمة ومجرّدة من أية مجاملة وبالتجاوب مع مختلف الآمال التي يعلقها الشعب العراقي ونصراءُ الحق في العالم وطالبو مصلحة العراق العليا واستقراره وضمان السعادة لشعبه الغافل البائس بما قيل وكُتب وصُرّح به مع شرفاء العالم. لا يمكن ضمان استقرار العراق ونجاحه والتصرف بثرواته بحكمة وعدل ومساواة والتحليق به إلى درجات الدولة المدنية الحرّة بسيادة كاملة واستقلالية في القرار والإرادة في إدارة شؤون الأمّة والعباد إلاّ بوصول شخصية وطنية مستقلّة صادقة الوعد والنيات ومن خارج القِدر «الخايس»، يكون ذاتَ بُعدِ نظرٍ واسع ورؤية ثاقبة بحاجات الوطن وأهله ويعمل وفق استراتيجية تنموية وإدارة علمية مبنية على حقائق ووقائع نابعة من صدق الممارسة اليومية لحياة الشعب.
ويكون على رأس أولوياته: محاسبة الفاسدين والمفسدين والمزوّرين، واستعادة ما نُهب من موازنات البلاد منذ تشكيل أول وزارة في 2006 ولغاية آخر وزارة فاشلة وسارقة وفاسدة وبما يعادل أكثر من ترليون دولار بحسب البعض، وإرجاع الأموال المنهوبة من جرّاء العقود الوهمية والأقيام المضاعفة في التقديرات وكوميسيوناتها غير النظامية وما فيها من الحيَل البهلوانية الأخرى لأبطال الفساد، وإصلاح القضاء الولائيّ ليعيد حق الوطن وأهله لنصابه، ومحاسبة مَن أسسوا للطائفية المقيتة وكانوا السببب في تسليم ثلث البلاد للدواعش والعودة لمحاسبة مموّليهم وداعميهم ومؤسسيهم، واستعادة السيادة الكاملة على أراضي وأجواء ومياه وبيئة البلاد، وإيجاد حلول شافية ونهائية للخلافات المتجددة والمستفحلة مع كردستان وتخيير شعوبها بين الاندماج الكامل مع الوطن الأم أو تسهيل حالة الانفصال التام ليتولوا زمام حكمهم بأيديهم تلافيًا للإشكاليات القائمة والمتجددة بين الفينة والأخرى، والعمل على ردع أية سياسة أو أيديولوجيا دينية أو مذهبية أوحزبية غير جامعة لمصير الوطن وشعوبه، وخلق صداقات وشراكات دولية نظيفة تتسم بالحيادية في اتخاذ القرارات الصائبة لمصلحة البلاد والشعب ومحاربة كافة أشكال الإرهاب والترهيب عبر منظمات وأدوات تحمل سلاحًا خارج نطاق الدولة، وفكّ الارتباط مع أية جهة أو دولة لا تقيمُ وزنًا لسيادة العراق وشعبه واستقلالية قراره، والتخلّي عن سياسة المحاور والولائية والتبعية لأي طرف إقليمي أو دوليّ إلاّ فيما يجلب الخير والسعادة والسلام والاستقرار للوطن وأهله، وترتيب العلاقة الصحيحة المتوازنة مع أية جهة أو دولة تقيمُ وزنًا لحضارة البلاد وشعبها الخلاّق بعد تحرّر الأخير من قيود الأسر المذهبي الولائيّ وغيرها من مطالب الشعب الصائبة الأخرى ومن أمنيات مثقفي البلاد وأصحاب الكلمة الحرة الناطقة من الأحرار.
بهذه البيانات الصحيحة، يمكن أن يستعيد العراق نجاحه ويضمن استقراره والفوز بمحبة ورضا دول العالم المُحِبّة للسلام والأمان والاستقرار والاحترام المتبادل وليس بإعادة تدوير وجوه قاتمة «مجرّبة» محسوبة ضمن دائرة الفساد والفاسدين ليس بمقدورها سوى مجاراة الفاسدين والتغطية على أفعالهم والاستمرار بانحدار البلاد باتجاه الفقر والفوضى والفساد الذي نخر الوطن والمجتمع وأجدبَ الأرضَ والحرث وحوّل البلاد والعباد إلى بطونٍ وأجسادٍ وهيئاتٍ استهلاكية عارية لا تعي غير التبذير والاستجداء وعرض التفاهات والتفاخر بالإثراء من السحت الحرام بكلّ أشكاله، دينيًا ومذهبيًا وسياسيًا وحزبيًا تحت أغطية مقنّعة عديدة لا حصرَ لها في زمن تعدد الشراكات والولاءات والضمانات والسياسات السائبة غير الناضجة. وهذا هو الضامن الحقيقي والصالح لنجاح الوطن ورقيّه واستقراره. وما على رئيس الوزراء القادم سوى العمل على هذه الوقائع للنجاح.