صانع النجوم وشؤون أخرى
محمد جواد أموري.. سيرة كما عشتها
كريم صبح
السيرة الشخصية مسار تجربة إنسانية لشخص ما؛ يكتبها بنفسه أو يكلف أحدهم بكتابتها، أو يكتبها غيره بعد مماته، طوعًا أو بتكليف من فرد أو مؤسسة؛ ولكن في الأحوال كافة تبقى تجربة كتابة سيدات عن أزواجهن على نحو مباشر أو غير مباشر، في حياتهم أو بعد مماتهم، تجربة محدودة إن لم أقل نادرة، وغالبًا ما تصدت لذلك زوجات مَن كانوا شخصيات عامة أو شغلوا مناصب عامة، ويمكن لنا هنا أن نسوق مثالين عن تجربتين لإمرأتين؛ هما حتى ليستا بعراقيّيتَين ولا عربيتين، إنما روسيّتين على وجه التحديد.
المثال الأول تجسَّد في آنّا غريغوريفنا، زوجة أيقونة السرد الروسي فيودور دوستويفسكي، المضحّية الكبيرة هذه من أجله، التي لم تحتمل غرابة الأطوار حد حافة الجنون التي رافقت عبقرية زوج يكبرها بخمس وعشرين عامًا، بل لم تبخل عليه بحلي ومصوغات باعتها من أجل تدبير المعيشة اليومية ليتفرغ هو للكتابة أيضًا، لآنا كتاب مترجم معروف عنوانه «مذكرات آنّا غريغوريفنا زوجة فيودور دوستويفسكي». المثال الثاني تجسَّد في الكونتيسة صوفيا أندرييفنا، زوجة الكاتب المعروف ليو تولستوي، فعلى علاقتها المعقدة مع عبقرية أدبية روسيّة أخرى مثل تولستوي، لم تتردد في نسخ روايته الأعظم «الحرب والسلام» التي جاءت في أكثر من ألفين وخمسمئة صفحة، سبع مرات قبل الاستقرار على نسختها النهائية، مثلا. حتى لصوفيا هذه كتاب مترجم عنوانه «يوميات الكونتيسة صوفيا أندرييفنا زوجة ليو تولستوي»، هي الأخرى، مثل آنّا، كتبت عن زوجها على نحو غير مباشر أو بمقدار تعلق الأمر بوقائع حياتها معه.
السيرة التي نحن بصددها ليست على ذلك الوصف للأسباب المشار إليها آنفًا؛ ناهيك عن اشتمالها على عدد من الخصوصيات؛ وعلى أرجحية الريادة أيضًا؛ ففي مطلع عامنا الجديد هذا صدر عن «دار أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» كتاب «محمد جواد أموري. سيرة كما عشتها» للمخرجة المسرحية والإعلامية المعروفة سناء وتوت؛ وهي زوجة الموسيقار الراحل محمد جواد أموري، أي هو نفسه المؤرَّخ لسيرته هنا بقلمها، وكما هو الواضح من عنوان الكتاب، جعلت المؤلفة من زوجها الملحن محمد جواد أموري موضوع كتابها، أساسه ومحوره المركزي؛ فلم يظهر الآخرين في متنه، بمن فيهم هي نفسها: حبيبته أولًا، ثم زوجته ثانيًا، إلا بمقدار دورهم في حياته، بوصفه إنسانًا وملحنًا مؤثرًا فنيًا في مسار الأغنية العراقية على نحو غير إعتيادي، وليس من خلال حركتهم هم أنفسهم في الحياة وانعكاسها عليه. إذن هي سيرة مباشرة تناولت حياته هو وحده، فانتزعت أرجحيتها الواضحة على تجربتي آنّا وصوفيا غير المباشرتَين، وهما يوردان سيرتا زوجيهما الروائيَّين في سياق سيرتَيهما وليس العكس؛ في حين كانت السيرة موضع البحث عن «صانع النجوم»، «سيد الألحان»، و»الموسيقار الكبير»؛ أي أنها سيرة فنان تعامل من خلال عوده مع الكلمة وأهلها: كلمة الحب؛ الوَلَه؛ العتب؛ الوجع؛ والفراق.
جاء الكتاب في أكثر من ثلاثمئة صفحة، وضمَّ مقدمة وأربعة أبواب؛ إشتملت على سبع وعشرين فصلًا، وملحق من صور وثائق شخصية وعامة خدمت هدفه وعززت وقائعه، بما في ذلك الصور وصفحات من صحف ومجلات عاصرت الملحن واستضافته في لقاءات صحفية، وبعض رسائل تلقاها من زملاء له، فضلًا عن صفحات مكتوبة بخط اليد لأغانٍ لحّن كلماتها أو لحّنها وغنّاها معًا ويظهر عليها اسم الشاعر الذي كتبها، منهم، مثلًا، إبراهيم البصري، كريم العراقي، كريم راضي العماري، كاظم السعدي، وكاظم الركابي، وغيرهم، لينتهي الملحق بنوتات كلمات تم تلحينها، وبذلك يرتقي الكتاب إلى أن يكون جهدًا جديًا كبيرًا ينطوي على الفائدة والمتعة وعدد غير قليل من معلومات تُنشَر للمرة الأولى، وبعض التوثيق فيه بدا ضروريًا وعزز أصالته، ولا سيما في المواد غير المنشورة سابقا، لذلك سيغدو – بعد أعوام قليلة – مرجعا لا غنى عنه للمهتمين بالموسيقى والغناء.
يبدو أن مؤلفة الكتاب أدت هنا الدور نفسه الذي أدّته زوجتا دوستويفسكي وتولستوي، ولكن في مجال آخر على شيء من خصوصية أكبر، هو الموسيقى؛ فالملحن الخالد بفنّه ما كان له أن يبدع في تلحينه لأسماء أمست هي نفسها نجومًا تعانق السماء في حدود شهرتها لولا استقرار نفسي وحياتي حظي به خلف أسوار مملكته البيتية، قدّمته له زوجته السيدة سناء بحب متّقد كان عرضة إلى أكثر من هزة قوية ولكنه لم ينطفئ إلا بوفاته في الحادي عشر من تموز من العام 2014، بذلك تكون قد خدمت مسارات الفن الرصين والأغنية العراقية عمومًا خدمة عظيمة، بإبقائها له ضمن حدود «صانعو العصر الذهبي» للأغنية تلك وليس صانع نجوم فحسب، وربما الأمر هنا تضحية اتسقت مع كل مبدأ للتضحية من أجل انسان وفنان قد تكون شهرته جلبت عليها منغصات، أو حتى بعض وجع، صرّحت به هي نفسها في متن سِفرها هنا، تحديداً أقصد المؤلفة وشريكة حياة الموسيقار الكبير لأكثر من أربعين عامًا.
عمومًا، السياحة في الكتاب تبدو ماتعة وجذابة تحكي الكثير غير المعروف عن حياة أموري المولود في كربلاء في الحادي والثلاثين من آذار من العام 1935، (ص 131)؛ فعلى ما يبدو، كان في السادسة والثلاثين عندما تزوج من قريبته الشابة ذات الستة عشر ربيعًا سناء وتوت المولودة في النجف في الثاني عشر من تشرين الأول من العام 1955، كما ورد في إيجاز سيرتها الشخصية (ص 218). المهم هنا أن الفارق الزمني بين عمريهما يبلغ عشرين عامًا، ومعنى ذلك الفارق أن أموري كان قد قطع شوطًا في مسيرته الفنية وحصل على شهرة فنية لا بأس بها؛ فهو من مؤسسي « الفرقة السيمفونية العراقية» في العام 1959، بعد أن كان قد أنهي دراسته في «دار المعلمين العالية»، ثم في «معهد الفنون الجميلة»، متعلمًا العزف الشرقي والغربي وكتابة النوتة الموسيقية إلى درجة إحتراف التلحين، حتى إنه قدّمَ إلى لجنة اختبار الأصوات في إذاعة وتلفزيون العراق ياس خضر وسعدي الحلي في يوم واحد من أواخر ستينيات القرن العشرين.على ما يبدو، أُعجِبَت به شريكة حياته المستقبلية قبل أن يتحول إعجابها إلى حب؛ والسيدة سناء نفسها تعترف أن شهرته تلك كانت العامل الأول في انشدادها إليه، فقد كتبت بصراحة ما يأتي: «آثرتُ أموري على الأقرباء؛ لأنه مشهور وناضج عمرًا وجسدًا وعقلًا ومكانة...» (ص 16)، ليتحول الإعجاب إلى حب متبادل انتهى بزواج انعكس إيجاباً على حياة أموري ومسيرته الفنية، فقد كتبت: «حياتي مع محمد حب وفرح» (ص 21).
وجب على أموري المحب أن يحتوي الشريكة الفتية القادمة من بيئة نجفية محافظة إلى بيئة بغدادية على شيء من الانفتاح والمدنية والصخب؛ فهو بعد أن عزز حصانتها بقواعد وضعها لها للتصرف في المجتمع الجديد، اشترى لها كل وسائل الراحة الضرورية للسيدة المدنية تعويضًا لها عن غيابه الطويل عنها: في النشاط المدرسي صباحًا، وفي الاذاعة والتلفزيون ظهرًا، ويحضر تمرينات «الفرقة السيمفونية العراقية» مساءً، الأهم أنه راح يشركها في أجواء عمله الفني، فألقاها وسط صخب جديد من كلمة ونغم، وها هو يُسمعها أول أغنية من كلمات زامل سعيد فتاح، كانت قد كُتِبَت قبل إنتقالها إلى بغداد؛ بالضبط ليلة دفن زوجته الأولى «أم نصير»، فأنصتت وأولاده من زوجته السابقة المتوفاة وهم يتشاطرون البكاء:
وداعة الله موادعينك يا خَد وداعة الله وما بعد لينا ترد
وداعة الله وخل أشمّك شمّه وبعد الموادع إبرينا الذمة
الواضح أنه نقل شراكته معها في الحياة الزوجية إلى مشاركته إبداعه الفني بعد تيقنه من ذائقتها الفنية مرارًا، فليس مفاجئًا والحال هذه أنه أوكل إليها مهمة إختيار وفرز نصوص قصائد يقدمها إليه شعراء غنائيين لتلحينها، والأكيد أن ملحنا كبيرًا مثل أموري، يحترم اسمه وتاريخه الفني لن يغامر في مجاملة زوجته في شأن له مساس مباشر بمستقبله الفني بوصفه موسيقارًا يشار إليه بالبنان، لو لم يرَها أهلًا لثقته، مع نُصحه لها بما يشبه وصية معبرة وذات مغزى: ألا تختار إلا قصائد مفرحة؛ لأن الذائقة العراقية أُشبِعَت بالوجع والحزن، حتى عندما وقع اختيارها على «يا حريمة» ليلحنها لحسين نعمة ورفضها أموري في البداية، فإنها تمكنت من إقناعه بوجهة نظر ثبتت صحتها لاحقًا، ليس لأنه هو نفسه لحّنها في ربع ساعة، بل لأن مؤسسة الإذاعة والتلفزيون وافقت على تسجيلها على الفور أيضًا، والنتيجة؟ نجحت الأغنية إلى درجة صارت تُبَث عشرين مرة في اليوم، وجهة نظر شريكته في الحياة والفن أن «يا حريمة» إنما تَعْلَق في ذاكرة شعب الحرمان له رفيق في كل شيء تقريبًا، وبهذا يتاح لها هنا أن تتقمص دور «الحسجة».
على نجاحه المدوّي هذا، لا يبدو أن أموري كان بعيدًا عن الإحساس بالغبن، ربما كان محقًا في إحساسه هذا، إذا ما علمنا أنه – مثلًا – لحّن قرابة ألفين وخمسممئة أغنية (ص 88)، لعراقيين مثل حسين نعمة، ياس خضر، سعدي الحلي، فاضل عواد، وصباح السهل، ولعرب مثل سميرة توفيق وعوض دوخي؛ علمًا أن الرقم يفوق كثيرًا رقم الخمسمئة أغنية، الذي ورد في مصدرين الكترونيين على الأقل؛ هما «الويكيبيديا» و «مركز الوتر السابع للفنون والتنمية المستدامة»:
https://ar.wikipedia.org
http://www.watar7.com/CMS.php?CMS-P=109
يصعب إهمال الرقم الوارد في الكتاب لقرب مؤلفته من صاحب السيرة ولمعاصرتها لحياته الفنية يومًا بيوم حتى وفاته، كما لاحظتُ أن المصدر الأول مثلًا، يحدد الحادي عشر من تشرين الأول من عام 1935 تاريخًا لميلاد أموري، في حين يحدد الكتاب الحادي والثلاثين من آذار من العام نفسه تاريخًا لذلك، وربما التاريخ الثاني أقرب إلى الدقة للسببين المذكورين، وبالنتيجة يدفعنا إلى الأخذ برقم الألفين والخمسمئة عددًا للأغاني التي لحّنها أموري، ولا سيما أنه ورد على لسان أموري نفسه في لقاء له مع مجلة «ألف باء» نُشِرَ في عددها الصادر في 27 كانون الثاني 1999؛ فالمجلة عنونت اللقاء هكذا: «2500 لحن والبقية تأتي» (ص 123)، وفضلًا عن العدد الكبير جدًا من الألحان التي وضعها، قدّمَ إلى الساحة الغنائية أيضًا أكثر من ثلاثين مطربًا، منهم ياس خضر، سعدي الحلي، حسين نعمة، وفاضل عواد، سرعان ما أصبحوا نجومًا، ولكنه تشكّى الجحود منهم؛ ففي اللقاء نفسه قال: « 33 مطربًا اكتشفتهم تنكروا لجميلي» (ص 123).
مع هذا الدور الفني الكبير، لم تُعن المؤسسات الإعلامية الرسمية به كما يجب، حتى إنه عاش قطيعة مع الإعلام عمومًا، إلى درجة أنه صار تحت وطأة الشعور بالاضطهاد، فلم يتردد في التصريح بأن الأمر ما هو إلا إهمال لأهل المواهب، وهذا ما لا يمكن فصله بالطبع عن مردود موقفه الحيادي من السلطة الحاكمة قبل عام 2003، بما فيها رأسها؛ فهو لم يذمه، كما لم يمدحه، معبرًا عن مقته الشخصي لبيع الفن في مقابل أعطيات، ولكن هذا لا يعني أن المؤسسات تلك تمكنت دائمًا من تجاهل حقيقة أنه الرقم الأصعب في معادلة الإبداع الفني العراقي، وسأسوق هنا دليلًا لغَرَضَي البرهنة والتوثيق اعتمادًا على معلومات كتابنا هذا نفسه (ص 123 – 127)؛ فقد أحصيتُ خمسة لقاءات أجرتها معه مجلة «ألف باء» نُشِرَت بتواريخ مختلفة: 21 آذار 1976، 17 آب 1977، 10 تشرين الأول 1990، 30 آب 1995، و 27 كانون الثاني 1999، فضلًا عن لقائين مع مجلة «فنون» نُشِرا بتاريخَي 3 كانون الأول 1979 و 1 – 7 تموز 1980، ولقائين مع صحيفة «الجمهورية» نُشِرا بتاريخَي 6 تشرين الأول 1983 و 1 تموز 1987.
على أن الإبداع يمكن أن يُقدّر في الخارج أيضًا؛ وأموري طار لمرات خارج حدود الوطن، مرة باختياره هو نفسه، ومرات قسرًا، بدأ الأمر مع إبتعاثه مدرسًا في المدرسة العراقية «دجلة» في الكويت في أواخر العام 1977، وهنا هو هو، لا يتنفس الهواء خارج رئة اللحن، بدليل تلحينه قصيدة غنائية عراقية للمطرب الكويتي عوض دوخي، عنوانها « يا حبيبي هل جفاك النوم مثلي»، في حين يمكن أن تبرز هجرته قسرًا في موضعين من تاريخ مأساوي موجع، هو العام 2007 المشؤوم، الذي يشير هو نفسه إلى إحتراب طائفي مقيت أرغمه على مفارقة وطن موجوع مثله؛ الموضع الأول في دولة الإمارات العربية المتحدة، هناك قدّمَ دليلًا جديدًا على مَلَكَتِه الشعرية، ففي مطلع العام 2007 نفسه كتب ولحّن قصيدة «إنتَ هَم تشتاك»، بتأثير واضح من ذلك الوجع:
مثل ما أشتاك إلك إنتَ هَم تشتاك
يل حبست بعيني دمعة عليك هَم ترتاح لي
الوجع لاحَقَه وأسرته إلى دمشق بعد التهجير القسري، بكل ما عناه ذلك من مفارقة أحبة وحياة مخملية وسبل عيش مريح، زوجته، مؤلفة الكتاب هذا نفسه، عانت ظروفًا شخصية أليمة وصعبة، محنة الوطن واستشهاد شقيق لها، الحبيب والزوج تقرّب منها؛ ولكنها صدَّته تحت ضغط الحزن والوجع، إلى درجة إعتزالها له، حينها انثالت كلماته تذكّر وتستشفع:
يليّ ربيتك إزغير وانشئت ما بين إدَيَّه
يا ما داريتك وصنتك ما أظن تحقد عليَّ
لحظات مفعمة بدفق عاطفي هي إذن، ولكنها يمكن أن تتكرر، في بغداد هذه المرة؛ المؤلفة – الزوجة تعترف بصراحة أن أموري يغار عليها حتى من الريح إذا هبَّت، وربما على أساس غيرته هذه يمكن تفسير عزله لها عن الناس، الغريب هنا أنها هي نفسها لا تذكر أنها اعترضت أو ثارت على عزلتها، ولكن يُفهَم من كلامها أنها كانت مستعدة لتضحية كهذه لأنها أحبته، كما أحبها هو، وربما حتى جازاها على صبرها بنوع من المكافأة، أطلقها إلى صخب الحياة بعد العام 2003، أي بعد اختفاء ذئاب بشرية ربما تكون قد ترصدت السيدة الجميلة، فراحت تلتقي بنخبة الوسط الثقافي، فهي – بصراحتها المعهودة – لم تتردد في ذم فئة من المثقفين، روّاد المقاهي تحديدًا، على أساس أنهم دَنَس أي مكان تطأه أقدامهم، وهنا لا بد من اعتراض موضوعي، فلا أدري لِمَ هذا الحكم المطلق؟ فهل النخبة تجمع ملائكي لا يضم شيطانًا واحدًا؟ فغير السوي؛ المنحط، والسيء الأخلاق وُجِدَ دائمًا في كل فئة وفي كل زمان ومكان.
إطلاقها إلى صخب الحياة قادها بالضروة إلى حضور ما تصفه «كعدات» من نساء ورجال، ولكنه نبَّهها في الوقت نفسه، إلى أن شيطان إبداع أموري يتجلى بكل قوته أمام النساء، آسِرًا قلوب الحضور، متوخيا أن يكون هو وحده مركز الحظوة والإعجاب عند النساء أيضًا، بكل ما رافق ذلك من حدّة طباع لطالما عكّرت مزاج الحضور وصفو «الكعدة»، ثم لاحظت العكس، فإذا خلت «كعدتهم» من النساء عاد هادئًا من انفعالات صاخبة، وكأن عنفها ارتبط بوجود النساء فيها، هي نفسها لم تتأخر في إدراك سبب الحالين؛ فقوة شخصيتها وهالتها الاجتماعية تزعجه إلى حد الاستفزاز، وكأنه يتحول – في لحظة فارقة – إلى زمن من غيرة منها؛ فهو إنما يريد أن يبقى مركز الإعجاب النسائي كله، كما يناله كله من دون منازع، بصراحة أكثر، هو لا يحتمل أن يتصدر أحد غيره كل «كعدة» من هذا النوع؛ حتى لو كانت حبيبته وشريكة حياته.
الحبيبة والشريكة هذه لا تهمها كثيرًا الندية التي يشعر بها تجاهها حبيبها وشريكها؛ ففي النهاية هي عاشقة له، متيمة وولهى به حد الثمالة، تعبر عن حالها عندما كان في بلودان السورية، فتكتب إليه بمداد من شوق: «حمودي الحبيب.. أرجو أن تكون بخير... نحن الآن بخير عدا الشوق، مشتاقون جدًا.. ترك غيابك فراغًا كبيرًا إلى حد عدم رغبتي بالطعام، ما أنقص وزني وجعلني عصبية... حبيبي حمودي... الأول والأخير، قرة عيني... عمر الماضي والحاضر أرجو أن تستمتع بوقتك مصطافًا... أعادك الله لي بالسلامة والحب... زوجتك وحبيبتك سناء...» (ص 184 – 185). على ما يبدو أهمل موافاتها بأخباره أولًا بأول، في الرسالة نفسها كتبت: «أرجوك راسلني أو هاتفني، أو حدد لي مكانًا ووقتًا للاتصال؛ لأنني أشتاق لك، وأحب سماع صوتك وأخبارك...» (ص 185).
الإهمال هذا، ربما غير المقصود، يفسر تطور الأمر بينهما إلى زعلها منه، وهو ما ينبغي الوقوف عنده حتى لو اسمته هي نفسها «زعل الدلال»؛ لأن مغادرتها بيت الزوجية في بغداد إلى بيت أسرتها في النجف تعني الكثير؛ مثلًا، أنه ما عادت هناك من وسيلة تفاهم بين الإثنين في البيت الأول، من جانبه كتب أغنية «خلينه نشوفك» استرضاءً لها، وبعث بها إليها ملحّنة ومغنّاة، وهي التي غنتها لاحقًا أمل خضير وحققت شهرة كبيرة (ص 187 – 188):
خلينا نشوفك خلينا وحياة الحب إرجع لينا
مو شاب الراس شتكول الناس
أوف من الحب وآثاره كلمَن حَب صارت بي شاره
وآنه إشسوّيت وإنت تخليت
عني وها المدة تفاركني
عادت الأمور إلى مجاريها، متوقع هذا بالطبع؛ فالحب أقوى، والرباط الزوجي متين، وهي – في النهاية – تسمّيه «زعل دلال»، ولا سيما بوجود ثمرتيهما نؤاس وبتول، مع ذلك سرعان ما يتصاعد الأمر دراماتيكيًا، إلى وجع هذه المرة لا إلى «زعل دلال»، فثمة صورة مرعبة لانعطافة عاطفية حادة ترسمها الزوجة – المؤلفة بصراحة صادمة ومن دون تزويق. للأمر بدايته؛ فبوصفها شخصية إعلامية معروفة طالها تهديد إرهابي بالقتل، فأضطرت إلى هجر بغداد إلى دولة الإمارات العربية المتحدة ترافقها إبنتها بتول، ولا يبدو أكيدًا أن مفارقتها لأموري، الزوج هنا لا الملحن، قد كان بموافقة منه لا لبس فيها، وإلا فإن رفضه لتأمين القسط الجامعي لإبنته مثلًا، ومقداره خمسة آلاف دولار، وجّه ضربة قوية لذلك الرباط، قبله للحب الذي جمع بين شريكي حياة، ولا سيما أن رفضه ذاك جاء بعد إلحاح شديد منها عليه لعدم التخلي عن بتول وضمان مستقبلها الدراسي، زاد الطين بلة باصراره على عودتهما إلى بغداد، على الرغم من عدم زوال التهديد الإرهابي (ص 161 – 162)، وربما تحت سعير غضب ما من موقفه هذا، لجأت إلى آخر الحلول لإيذاء مَن آذاها في ابنتها وفي مستقبلها، للمرة الأولى تدعو عليه لا له: «اللهم غلّ يديه كما غلّها عنا»، بالضبط كما كتبت نصًا (ص 162).
حينما نطقت بكلماتها كانت وحدها على شاطئ ما في غربتها، وهي تدرك سلفًا كم تحمّل نؤاس في إعالتها وبتول وزوجته في بلد معروف بغلاء المعيشة، عندما عادت إلى المنزل استقبلها نؤاس بنبأ موجع: دهست سيارة والده بما أدى إلى كسور خطيرة في يديه ورجليه وادخال حنكه في رأسه، هرعت إلى بغداد وأشرفت على علاجه لعام كامل لم يسفر عن نتيجة سوى إخراج الحنك من الرأس، فظلَّ بقايا حُرِمَت نشاط وعمل يد يسرى بسبب ضرب التكلس عظام مفصلها، بعدها لم يمسك بالعود باليد تلك.
ربما لم تُرَد دعوتها؛ فمن بين معاني (الغُل) العجز عن الإنفاق، كما يشير أصل الكلمة إلى وضع القيد في اليد، وإذا تجازنا المعنى الأول فإنه يصعب تجاوز المعنى الثاني في عدم قدرة الملحن الكبير على الإمساك بالعود بيده اليسرى مرة ثانية، ولكن في الحالين صارت الزوجة أمام إختبار عاطفي وأخلاقي حساس، حتى لو صرفنا النظر عن مسألة الرابطة الزوجية وتلك العاطفة الدائمة التي شدتهما إلى بعضها أكثر من أربعين عامًا، فلعشرة أعوام من ذبوله كان عليها أن تتحمل عبء رعايته بوضعه الصحي المعقد ذاك، أحيانًا تمَّ هذا بمساعدة من أفراد الأسرة الآخرين، ولكن حتى هذا آل إلى تغيير في الأعوام الثلاثة الأخيرة من السنوات العشر تلك، فكانت قاسية عليهما معًا، كتبت بالصراحة نفسها: «عندما إنهار صحيًا في توالي حياته.. آخر عشر سنوات، منها ثلاث تخلى فيها الجميع عنه.. حتى أولاده.. كلهم من دون إستثناء، وبقيت لوحدي أرعى جثة لا حياة فيها ولا إدراك.. سوى نبض ونَفَس يصعدان نسغًا من دون روح» (ص97)، ظلت وحدها إذن ترعى البقايا تلك إلى أن .. مات صاحبها، تاركًا إرثًا عظيمًا من موسيقى شجية و.. زوجة تشعر للمرة الأولى بخذلان العالم كله لها؛ فضرب إكتئاب قسري روحها وجسدها حتى حين؛ فراحت هي نفسها تبحث عن طبيب !
حتى إذا قلتُ إنه حَسْبها تكفيرًا أنها جنّدت نفسها طوال ثلاثة أعوام لرعايته؛ فإنني لا أدري إن كانت بالفعل قد ندمت – فيما بعد – على دعوتها تلك، وكتابها هذا نفسه سكت عن ذلك تمامًا، كما لا أدري ما إذا كان تأليفها له بعد أكثر من عشرة أعوام على رحيل أموري، نوع من طلب الصفح منه أم لا، بتخليده في سِفرٍ يُقرأ ويُتَدبَّر: يحكي تاريخه وقصته إنسانًا عاش وأحبَّ مَن بادلته شغفًا بشغف، وأبدع في ألحانه فأطرب الملايين، سِفرٌ لا تعوزه الموضوعية ولا تنقصه الصراحة، الصادمة أحيانًا، كما وثَّقَ على نحو مقنع جُل ذلك التاريخ لا كله على ما يبدو؛ فمن مآخذي على سِفرٍ كهذا أنه لم يُعزز بمعلومات غزيرة يمكن أن تتيحها المقابلات الشخصية مع مَن عاصره أو – على الأقل – مَن بقي على قيد الحياة من الملحّنين والعازفين والمطربين أو حتى أصدقاء خارج الوسط الفني؛ فربما ذَكرَ لأحدهم ما لم يذكره لها، وربما تحدث مع آخر بما لم يتحدث به معها، بما قد يكشف جانبًا آخر من شخصيته مجهول لنا نحن القرّاء، ومن تجاربنا تعلمنا أن أحدنا قد يفضفض لصديق بما لم يفضفض به لزوجته أو حتى أنه يعجز عن ذلك لأي سبب من الأسباب، علما أن ملحوظة كهذه لا تقلل بالطبع من القيمة الإنسانية والفنية والتاريخية للسِفر؛ ثم لنضع في الحسبان هنا أنها تجربة رائعة بحق، تجربة أن تكون هي – على ما أظن – أول سيدة تكتب سيرة زوجها الخالصة لا سيرتها مطعمة بشيء من أيامها معه، بدليل تدوينها تاريخ حياته حتى قبل زواجه منها؛ متفوقة في السياق هذا حتى على نماذج نسائية عالمية عرضتُ لهن في مفتتح القراءة، كتبنَ سيَرَهِن مقترنة بسيَر أزواجهن لا بسيَرهم وهم جزءً منها، كما فعلت السيدة مؤلفة كتابنا هذا، وأجادت جدًا بأن جعلت عنوانه: «محمد جواد أموري. سيرة كما عشتها».
خاتمة في ملحوظات:
1. بدت المؤلفة واثقة تمامًا من معلومات ذاكرتها ومن معلومات المادة الأولية الوثائقية التي رجعت إليها؛ بدليل أنها أنهت مقدمة كتابها بملحوظة معبرة في السياق هذا: «الحوادث المذكورة في الكتاب، حقيقية، وحق الرد مكفول» (ص 7)، بناءً على ثقتها هذه، أتاحت للآخرين الحق ذاك.
2. للكتاب خصوصية أسلفتُ عنها في التمهيد لهذه القراءة؛ فضلًا عن خصوصية أخرى أعمق وموضع تقدير هنا؛ فالزوجة، المؤلفة هنا، توارت خلف الأحداث، تركت الأمر لصانع النجوم والأحداث وبطلها، إلا إذا كانت هي نفسها الطرف المباشر في أي منها؛ فلم تضفِ على نفسها بطولة مدّعاة وغير حقيقية، ولم تمنح نفسها دورًا أكبر من الدور الذي أدته بالفعل على مسرح حياتها مع شريكها الإنسان والملحن الكبير المشهور؛ فلم تظهر سوبرمانة أو بطلة خارقة، إنما إنسانة إعتيادية عاشت ما عاشه الشعب عمومًا من مِحَن، وتعرضت أسرتها إلى تهديدات متعددة حالها حال أي أُسرة عراقية؛ بما فيها التهديدات الإرهابية.
3. يخامرني إحساس بأن ثمة ما مسكوت عنه لم تُفصِح عنه المؤلفة – الزوجة بعد، وقد يكون أكثر مما ألّفَ مادة كتابها هذا، إن صدق إحساسي فأظن أن المسألة مسألة وقت قبل أن تفاجئنا بكتاب جديد.
4. الكتاب أنموذج جيد للأسلوب الجذاب، سلاسة اللغة، وشعريتها، وهو ما يمكن تفسيره على أساس أنها هي نفسها تكتب الشعر والقصة، فضلًا عن أن الكتاب لم يتبع التسلسل التاريخي في سرد الأحداث، إنما سار على وفق طريقة الانتقالات بالتقطيع، بما يجذب القارئ ويغريه على متابعة الجديد في الصفحة التالية.
5. يبدو أنها كانت معنية جدًا بوصول سيرة الإنسان والحبيب والزوج والملحن الكبير إلى الناس بقلمها هي، طالما أنه لم تتسن له كتابتها بنفسه؛ فهي الزوجة المشارِكة في أغلبية أحداث حياته على نحو مباشر، والشاهدة عليها، والمؤلفة التي قالت «كل شيء» تقريبًا بصراحة صادمة أحيانًا، ولنا في كشفها عن دعوتها على زوجها الحبيب تحت ضغط خاص دليل يصعب تجاوزه هنا، ولا سيما إذا أسقطنا عليه أي مقدار من عاطفة تشوب تحليل لدليل كهذا.