الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
صوت أطفئ وقضية لا تنطفئ

بواسطة azzaman

صوت أطفئ وقضية لا تنطفئ

فرح صابر

 

في حادثةٍ صادمة هزّت الرأي العام، اغــــــتيلت الناشطة العراقية ينار محمد في وسط العاصمة بغـــــــداد، بعد أن أطلق مسلّحان ملثّمان يستقلان دراجة ناريــــــــة النار عليها ولاذا بالفرار. ما أثار موجة استنكار واسعة في الأوساط الحقوقية والمدنية، ومطالبات عاجلة بكــــشف ملابسات الحادث وتقديم المسؤولين إلى العدالة.

نساء معنّفات

لم تكن الضحية اسمًا عابرًا في سجل العمل المدني، بل واحدة من أبرز المدافعات عن النساء المعنّفات والناجيات من العنف والاتجار بالبشر في العراق. أسست وقادت منظمة حرية المرأة في العراق، وسعت من خلالها إلى توفير ملاجئ آمنة للنساء الهاربات من العنف الأسري، ومن تهديدات القتل، ومن شبكات الاستغلال والاتجار.

كما عملت على تقديم الدعم القانوني والنفسي والاجتماعي لضحايا العنف، ورفعت صوتها في المحافل المحلية والدولية مطالبةً بتشريعات أكثر صرامة لحماية النساء.

واقع النساء… أرقام صادمة وصمت ثقيل

تأتي هذه الجريمة في سياق واقعٍ معقّد تعيشه النساء في مجتمعاتنا، حيث ما يزال العنف ضد المرأة ظاهرة واسعة الانتشار، تتخذ أشكالًا متعددة، من العنف الأسري والجسدي والنفسي، إلى الزواج القسري، والحرمان من التعليم والعمل، وصولا إلى جرائم القتل التي تُبرَّر أحيانًا بذريعة (الشرف).

تشـــير تقارير رسمية إلى تسجيل عشرات الآلاف من حالات العنف الأسري سنويًا، غير أن منظمات حقوقية تؤكد أن الأرقام الفعلية أعلى بكثير، نظرًا لامتناع كثير من الضحايا عن الإبلاغ خوفًا من الوصم الاجتماعي أو الانتقام أو فقدان المأوى.

وفي ظل ثغرات قانونية وتأخر إقرار تشريعات شاملة لمناهضة العنف الأسري، تجد العديد من النساء أنفسهن عالقات بين عنف الأسرة وضغط المجتمع وضعف الحماية المؤسسية.

ولا يقتصر التحدي على العنف المباشر، بل يمتد إلى بنية اجتماعية ما تزال في كثير من جوانبها تُعيد إنتاج التمييز، وتحدّ من فرص النساء في المشاركة الاقتصادية والسياسية، وتُقيد استقلاليتهنّ باسم الأعراف والتقاليد. وبينما شهدت السنوات الأخيرة نشاطًا ملحوظًا للمجتمع المدني في الدفاع عن حقوق النساء، فإن العاملات في هذا المجال كثيرًا ما يواجهن تهديدات مباشرة وحملات تشهير، ما يجعل عملهن محفوفًا بالمخاطر.

اغتيال الرسالة

اغتيال ناشطة كرّست حياتها لإنقاذ المعنّفات ليس جريمةً فردية فحسب، بل رسالة مقلقة لكل من يجرؤ على الدفاع عن الفئات الهشّة. فحين يُستهدف صوتٌ كان يؤمّن المأوى لمن لا مأوى لهن، ويطالب بالعدالة لمن لا سند لهن، فإن القضية تتجاوز شخص الضحية لتطال فضاء الحريات العامة وحق العمل المدني الآمن.

لقد كانت الراحلة تؤمن بأن حماية النساء ليست قضية نسوية ضيقة، بل معيارًا لمدى إنسانية المجتمع وعدالته. ودفعت ثمن هذا الإيمان غاليًا. غير أن الأفكار التي ناضلت من أجلها – حق المرأة في الأمان، في الحياة الكريمة، في العدالة – لا يمكن اغتيالها برصاصٍ غادر. اليوم، يتطلع الرأي العام إلى تحقيقٍ شفاف وسريع، لا يكشف هوية الجناة فحسب، بل يبعث برسالة واضحة مفادها أن استهداف المدافعين عن حقوق الإنسان لن يمرّ دون حساب.

فحماية النــــــــــــساء تبدأ بحماية من يدافع عنهن، وصون المجتمع يبدأ بصون أصوات العدالة فيه.


مشاهدات 53
الكاتب فرح صابر
أضيف 2026/03/11 - 2:01 PM
آخر تحديث 2026/03/12 - 1:05 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 64 الشهر 9901 الكلي 15001970
الوقت الآن
الخميس 2026/3/12 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير