الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
من عبق الماضي يبزق الجمال ... وقفةُ إجلال مع سقراط


من عبق الماضي يبزق الجمال ... وقفةُ إجلال مع سقراط
 

مها عيسى العبدالله

قسم الفلسفة / كلية الآداب / جامعة البصرة

 

يبقى بعض الأشخاص دائمي الحضور في ذهنك ويشغلون حيزاً من تفكيرك  ، وبمرور الوقت تشعر إنك لم تعد تستطيع أن تستغني عنهم ...هم يُخاطبون عقلك ... ويملئون قلبك دفء ومودة وطمأنينة ... هم من تشعر بوجودك معهم ... تُحاورهم في صمت لا تمل من الحوار معهم !

كلما مرت الأيام واتسعت دائرة ثقافتي ... وارتقت إنسانيتي ... وازددتُ عطفاً على من في الوجود ... وحباً وهياماً بهذا الوجود عدتُ إلى أحضان سقراط ... عدتُ إلى ينبوعي الرقراق الصافي أرتوي منه من جديد وأطلب المزيد .

كم تسألتُ يا سقراط لما لم تُفارق ذهني مذُ عرفتُك في المرحلة الأولى من دراستي للفلسفة ولا تزال رفيق عقلي وقلبي ودربي !

كلما غمرتني البهجة عُدتُ إليك ... وكلما وقع عليّ ظلمٌ وملئ الحزنُ أعماقي عدتُ إليك !

لقد تسمرتٌ لا أستطيعُ حِراكاً عندك يا سقراط لنبلِ تفكيرك ... ورقي إنسانيتك ... ولصفاءِ حبك لجميع من معك في الحياة !

لا أعرف إن كان موقفك من الإنسان وفلسفتك هي من أدخلك إلى عالمي ؟ أم أن شخصك يا سقراط الإنسان ... الرحماني ... الودود هو من أدخلك إلى عالمي ؟

أنا عالقةٌ بين الإثنين فلسفتك العظيمة ... وشخصكُ العظيم .
نعمةُ عظيمة منَ عليّ بها الوجود حينما عرفني بشخصٍ مثلك يا سقراط ... لا يرى في الإنسان إلا كل ما هو نبيل ... لا يحتملُ أن يتهم الإنسان بأنه شرير .
لا يوجدُ إنسانٌ شرير بل كما علمتنا يا سقراط أن الإنسان يرتكبُ الشرور : يقتل ، يسرق ، يكذب ... الخ ليس لأنه شرير بل لأنه جاهل لا يعرف أن هذه الأفعال تبعده عن السعادة ... عن الطمأنينة ... تُعكر صفاء حياته . ومتى ما عرف ذلك ابتعد عنها .
كم أنت متعاطفٌ يا سقراط مع الإنسان ! وكم أنت مُحبٌ  للإنسان !

الجهلُ يا سقراط يدمرُ كل شيء  ... لا يوجد أقسى من أن يتهم الإنسان بأنه جاهل والأكثُر إيلاماً يا سقراط أنه لا يعرف أنه جاهل !

إتهامُ الإنسان بالجهل يعني أنه يمارس أفعالٌ شائنة ... أفعالُ مرفوضة ... أفعالُ مؤذية ...
حقاً كما تقول يا سقراط المعرفةُ فضيلة  وخير والجهلُ رذيلة  وشر .
نعمةٌ عظيمة حينما تمنُ علينا السماء بالمعرفة ... ترتقي نفوسنا بها ... تزدهرُ الحياة كلها بالمعرفة ... وتطمئنُ نفوسنا لكل ما في الحياة عندها لا نعد نخشى من شيء .
ووجعٌ ليس له حدود حينما يهيمن الجهلُ على حياتنا ... تتراجع إنسانيتنا ... تنتهي الحياة كلها .

يملئُ الخوف والقلق نفوسنا ... عندها لا نعد نطمئنُ لشيء !

لقد قلت حكمتكُ يا سقراط ومضيت ... وأنا ما زلتُ واقفةٌ عند حكمتك كلما أبصرتُ بصيص أملٍ ـــ حتى وإن كان بسيطاً ـــ لولادةِ المعرفة عدتُ إليك مبتهجة ... كل ما في أعماقي يرقصُ فرحاً للنور الذي سطع مشرقاً ليُنير عقل وحياة الإنسان كلها ... وكلما هيمن الجهلُ على هذا العالم عدتُ إليك حزينة  منكفئة  على ذاتي ... موجعُ جداً يا سقراط أن يُحرم الإنسان من نعمة المعرفة من نورها الذي يُضيء له الطريق ... يملئ قلبه طمأنينة فيزدادُ حباً وقرباً وامتناناً  لهذا الوجود .
تعلمتُ منك يا سقراط أن أكونَ متفائلة رغم كل شيء ... وسأبقى دائماً وأبداً متفائلة حتى لو أطبق الجهلُ على عالمي كله ... لأنني كنتُ ولا أزال وسأبقى تلميذتك يا سقراط ... تلميذتك الودودة الت تُجُلُك يا سقراط
أيوجدُ أجملُ من هذا الخلود ؟ فأنت يا سقراط غائب  ولست غائب !
أُحاوروك في صمتٍ وأعلمُ إنك تُصغي لي ... في عالمك البعيد ... البعيدُ عن عالمي ... والقريبُ ... القريبُ مني ... ليت الجميع يعرفونك يا سقراط  ... ليتهم يعرفون ذلك الإنسان  في أعماقك يا سقراط أو ليتهم  يعرفون حكمتك يا سقراط ... لأنك يا سقراط  نعمةٌ ٌ مْنَ بها علينا الوجود ... وكم من نعمةٍ مْنَ علينا بها الوجود لكننا غافلون عنها ... فأن لم نعرف نعم الوجود كيف لنا أن نشكر الوجود ؟؟؟

 


مشاهدات 56
الكاتب مها عيسى العبدالله
أضيف 2026/06/14 - 3:39 PM
آخر تحديث 2026/06/15 - 1:50 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 118 الشهر 13898 الكلي 15889379
الوقت الآن
الإثنين 2026/6/15 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير