الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
اوزبكستان ودورها في تشكيل مستقبل إسلامي عالمي

بواسطة azzaman

اوزبكستان ودورها في تشكيل مستقبل إسلامي عالمي

شهادة شخصية من قلب آسيا الوسطى

 أحمد جاسم الزبيدي

 

من قلب آسيا الوسطى، من أرضٍ تنبض بالتاريخ، ومن بين منارات العلم ومساجد القرون الخالدة، أكتب هذه الكلمات وأنا أشهد بنفسي كيف بدأت أوزبكستان تتحول من مجرد دولة ذات ماضٍ إسلامي عريق، إلى لاعب حيوي في تشكيل مستقبل الأمة الإسلامية على مستوى العالم. ولست أكتب انطلاقاً من فخر مسلم فحسب، بل من إيمان عميق بأن أوزبكستان اليوم تمتلك الأدوات والشرعية التاريخية والأخلاقية والثقافية التي تخوّلها للعب دور محوري في المشهد الإسلامي العالمي.

 جذور شرعية من التاريخ العلمي والديني

 حين زرت ضريح الإمام البخاري في سمرقند، أو أمشي في أزقة بخارى القديمة، لا أشعر أنني أقف أمام أطلال تاريخٍ مضى، بل أمام جذور حية لا تزال تؤثر حتى اليوم في الوعي الإسلامي العالمي. الإمام البخاري، الإمام الترمزي، النسفي، الفرغاني، الزمخشري... هؤلاء ليسوا مجرد علماء، بل بناة لأسس الفكر الإسلامي المعتدل والمنهجي.

 ما يجعل أوزبكستان مؤهلة للمساهمة في مستقبل الأمة الإسلامية ليس فقط أنها تحتضن هذه الأسماء، بل لأنها تُعيد اليوم اكتشاف هذا التراث وتقديمه للأمة من جديد، عبر مراكز البحوث والمؤتمرات والمبادرات التعليمية، التي باتت تفتح أبوابها أمام العلماء والطلبة من شتى أرجاء العالم الإسلامي.

 نموذج الإسلام الوسطي

 من موقعي كشاهد على التغيرات الاجتماعية والدينية في بلادي، أؤكد أن أوزبكستان تقدم اليوم نموذجًا فريدًا للإسلام الوسطي العصري، البعيد عن الغلو، والمتجذر في التقاليد الروحية والفكرية. وقد لمست هذا عندما حضرت عدداً من الندوات التي نظمها مركز الإمام البخاري الدولي، حيث يتحدث العلماء عن إحياء الفكر النقدي، وتجديد العلوم الشرعية، دون الانفصال عن القيم الأصيلة.

 وهذا التوازن – بين المحافظة والتجديد – هو ما تحتاجه الأمة الإسلامية اليوم في زمن تتجاذبه تيارات متطرفة من جهة، وتيارات تغريبية مفرطة من جهة أخرى.

 دبلوماسية دينية لبناء الجسور

 من خلال متابعتي لسياسة الدولة الخارجية، لمست أن أوزبكستان لا تكتفي بالبناء الداخلي، بل تعمل بنشاط على توظيف الإسلام كجسر للتقارب مع دول العالم الإسلامي. فقد نظّمت طشقند وسمرقند في السنوات الأخيرة مؤتمرات دولية حول "التسامح الديني"، و"الإسلام كدين للسلام"، و"مكافحة التطرف من خلال التربية الإسلامية"، وقد حضرت بعضها ورأيت كيف كانت هذه المنتديات محط أنظار العالم الإسلامي.

 كما زادت الزيارات المتبادلة بين علماء أوزبكستان ونظرائهم من السعودية، تركيا، مصر، ماليزيا، ودول أخرى، وكلها تعكس رغبة حقيقية في لعب دور تنسيقي وموحد في قضايا الأمة.

 تأهيل الشباب والقيادات الدينية

 من المشاهد التي أثارت إعجابي شخصياً، الاهتمام المتزايد بتكوين الأئمة والخطباء من الشباب، ضمن رؤية حديثة تجمع بين المعرفة الدينية العميقة، والقدرة على التواصل مع المجتمع. لقد التقيت بعدد من خريجي المدرسة الإسلامية العليا في طشقند، ورأيت فيهم وعياً حقيقياً بتحديات العصر، وحرصاً على حماية صورة الإسلام من التشويه، وبناء حوار داخلي صحي داخل الأمة.

 هذا التكوين الرصين للأجيال القادمة هو استثمار حقيقي في قيادة إسلامية فكرية معتدلة، قادرة على تحمل المسؤولية العالمية مستقبلاً.

 مساهمة في مواجهة التطرف والتفكك

أوزبكستان لا تسعى فقط للبناء، بل تلعب دوراً حيوياً في التصدي للتطرف باسم الدين. وقد تبنت الحكومة استراتيجية تقوم على المعالجة الفكرية والدينية، لا الأمنية فقط. تم إطلاق برامج توعوية في المساجد، وورش عمل في المدارس، وحوارات مجتمعية، تركز على إبراز صورة الإسلام كدين للرحمة والعقل، لا للعنف والتشدد.

 إنني أرى أن هذه الجهود لا تخدم أوزبكستان وحدها، بل تقدم نموذجًا يمكن تعميمه في دول أخرى تعاني من اختطاف الدين من قبل المتشددين.

 اإنني، كشاهد أعلامي عربي في هذا البلد، أرى أن أوزبكستان لا تكتفي باستحضار أمجادها الإسلامية، بل تعمل بصمت وثقة على صياغة مستقبل إسلامي عالمي مختلف، أكثر اعتدالاً، وعمقًا، وتعاونًا.

إنها تؤمن أن الإسلام يجب أن يكون مصدرًا للوحدة لا الانقسام، ومنبعًا للعلم لا الجمود، وجسرًا للتواصل لا للصراع.

 ومع تراكم الخبرات، وتعاظم الاعتراف الدولي بدورها، أؤمن أن أوزبكستان ستظل أحد الركائز الفكرية والروحية لمسيرة الأمة الإسلامية نحو مستقبل أفضل.


مشاهدات 52
الكاتب  أحمد جاسم الزبيدي
أضيف 2026/03/11 - 2:09 PM
آخر تحديث 2026/03/12 - 1:26 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 67 الشهر 9904 الكلي 15001973
الوقت الآن
الخميس 2026/3/12 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير