الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مدرسة في تقلبات السياسة... جواد  پروانه


مدرسة في تقلبات السياسة... جواد  پروانه

أحمد جاسم الزبيدي

 

مدينتنا الجميلة التي ما زلت أعتز بها، حيث قضيت طفولتي وبدايات شبابي، ليست مجرد مكان في الذاكرة، بل زمن كامل من الوجوه والضحكات والأصدقاء. كثيرون منهم غيبتهم الحرب والنظام البائد بين الأسر والسجون، لكن ذكرياتهم ما زالت تسكن القلب، وتتحول أحياناً إلى بلسم صغير يخفف مرارة الغربة.

وحين تشتد الغربة، أجد نفسي أستعيد شيئاً بسيطاً كنا نتداوله في تلك الأيام: النكات. فا لمحاويليون ، كما هو معروف، يملكون موهبة نادرة في تحويل الألم إلى ضحكة، وربما لأن الضحك كان دائماً طريقهم الوحيد لمقاومة العبث ومشاغل الحياة اليومية.

ومن بين تلك النكات التي تبدو وكأنها كُتبت لزماننا هذا، حكاية الرجل الذي أصبح اسمه لاحقاً "جواد بروانه " .

كان جواد متزوجاً من امرأة جميلة … وجميلة جداً ولعوبة جدا، حتى أن جمالها كان مصدر قلق دائم لزوجها الغيور. ولم يكن سر غيرته مجرد خيال، فقد كانت زوجته – كما تقول النكتة – تميل إلى “المزاح الثقيل” مع الرجال.

وذات يوم مرض جواد وشعر أن الرحلة تقترب من نهايتها. فنادى زوجته قائلاً بصوت مملوء بالقلق:

— حبيبتي… إذا متُّ، أرجوكِ لا تخونيني.

ابتسمت الزوجة بسخرية خفيفة وسألته:

— وكيف ستعرف إني خنتك؟

قال بثقة عجيبة:

— سأحس بذلك… وسأنقلب في قبري إلى الجهة الأخرى!

وبقي يكرر وصيته بإصرار:

— إياكِ والخيانة… لأنني سأتقلب فوراً!

اختصر الزمن القصة: مات جواد… ومضت السنوات.

ثم ماتت زوجته أيضاً، وذهبت تبحث عنه في العالم الآخر.

سألت الحراس:

— زوجي اسمه جواد.

فقالوا لها:

— عندنا ملايين بهذا الاسم.

ذكرت اسم أبيه وجده… لا نتيجة.

ذكرت أسماء أولاده وأمه وإخوته… لا نتيجة أيضاً.

وأخيراً سألها أحد الملائكة:

— هل كانت لديه عادة مميزة؟

قالت:

— نعم… حين ينام يتقلب كثيراً في فراشه.

فابتسم المَلَك وقال بلهجة المنتصر:

— وجدناه!

لدينا جواد بهذا الوصف… ونحن هنا نلقبه “جواد پروانه”، لأنه يفتر  في فراشه مثل الفراشة طوال الليل!

لكن الطرافة في هذه النكتة لا تقف عند حدود الزوج الغيور أو الزوجة "المغامرة".

فالزوجة في الحكاية كانت سبب التقلب، لأنها لم تستطع الالتزام، بينما المسكين جواد ظل يتقلب بسبب خياناتها… حتى بعد موته!

وهنا تذكرت واقعنا السياسي.

فكم لدينا اليوم من "زوجات سياسيات" – إن صح التعبير – يمارسن الخيانة السياسية بلا خجل؟

أقصد طبعاً رؤساء الكتل والأحزاب الذين لا يستقرون على موقف، ولا يحفظون عهداً، ولا يترددون في تبديل التحالفات كما يبدل المرء قميصه.

اليوم تراهم في تحالف، وغداً في تحالف آخر.

صباحاً يعلنون موقفاً حاداً، ومساءً ينقلبون عليه ببيان جديد.

والنتيجة؟

أن  المساكين أعضاء كتلهم أنفسهم لم يعودوا يعرفون إلى أين يتجهون.

النائب يستيقظ فيجد كتلته مع هذا المعسكر،

وبعد الظهر يكتشف أنها انتقلت إلى المعسكر المقابل،

وفي المساء قد يكتشف أنهم عادوا إلى حيث بدأوا!

حتى أصبح كثير من أعضاء الكتل السياسية يشبهون ذلك المسكين في النكتة:

يتقلبون دون أن يعرفوا لماذا… ولا إلى أين.

ولهذا ربما نحتاج إلى مصطلح سياسي جديد في قاموسنا المعاصر:

ليس يميناً… ولا يساراً…

ولا إسلامياً… ولا قومياً…

بل ببساطة:

سياسي من مدرسة “جواد پروانه”سياسي يتقلب في المواقف كما يتقلب صاحبنا في فراشه،

حتى لم يعد الشعب يعرف:

هل هو ثابت على موقف…

أم أنه يدور منذ سنوات في المكان نفسه  "بروانه "… مثل الفراشة التي لا تجد طريق الخروج من الغرفة.


مشاهدات 36
الكاتب أحمد جاسم الزبيدي
أضيف 2026/03/10 - 1:31 PM
آخر تحديث 2026/03/11 - 2:11 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 91 الشهر 9102 الكلي 15001171
الوقت الآن
الأربعاء 2026/3/11 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير