سجّاد الغازي.. شيخ الصحفيّين سيرة قلم وضمير وطن
ياس خضير البياتي
من الصعب تلخيص حياة شخص كان من صُنّاع أحداث التاريخ امتدت على مدار ما يقرب من قرنٍ، تعايش خلالها مع العهد العثماني، والملكية، والجمهورية، وغير مسارها عبر الانقلابات والنفي، دون أن يُعاني القلم أو يهرم الوجدان.
عند الكتابة عن الأستاذ سجاد غازي بن إسماعيل حقي بن عبد الغني العجيلي، لا نتناول شخصية صحفية وحسب، بل نبرز نموذجًا أخلاقيًا وموقفًا وطنيًا يرمز لذاكرة الصحافة العراقية والعربية.
وُلِد في الخامس والعشرين من آذار عام 1930 في تركيا، لكن روحه كانت عراقية من انطلاقتها الأولى، وانتماؤه كان متجذرًا في التاريخ والنسب والوجدان.
ترعرع في عائلة غير تقليدية؛ إذ كان جده عبد الغني مدعيًا عامًا يتنقل بين إسطنبول وبغداد والبصرة، ووالده إسماعيل حقي ضابطًا وقانونيًا ومجاهدًا، شارك في الحروب المهمة مثل الحرب العالمية الأولى، كما حصل على أوسمة رفيعة وكلمات تقدير من السيد المهدي السنوسي أحد أبرز القادة الدينيين والسياسيين في تاريخ ليبيا الحديث، وزعيم الحركة السنوسية في أواخر القرن التاسع عشر.
في هذا الجو، تداخل القانون بالسيف، والقرآن بالكتاب، والفروسية بالمعرفة. وعندما عاد الوالد إلى العراق بدعوة من الملك غازي، ساهم في تأسيس القضاء العسكري وقدم محاضرات حول الإدارة والقانون، وتحدّث خمس لغات بالإضافة لاهتمامه بالشعر والرسم ومهارات الفروسية والمصارعة التقليدية.
إذًا، لم يكن سجاد الغازي مجرد صدفة، بل نتاج تربية قائمة على قيم اسرة ورسالة سامية.
نشأ في محلة البارودية، التي كانت تمثل النخبة الثقافية والفنية والعسكرية في بغداد، وشهد أسماء شعرت له بالدهشة: عبد القادر الرسام، محمد سليم، ، فهمي المدرس، شامل باشا، عبد الرزاق شبيب وغيرهم.
معنى الهوية
لم تكن الجيرة مجرد علاقة عابرة، بل مثلت جامعة غير مكتوبة كانت تصيغه الذوق العام وتعزز الهيبة وتعكس معنى الهوية البغدادية الحقيقية.
في مدارس الفضل والشيخ والسفينة، كانت الوطنية درسًا قائمًا، وليس مجرد شعار. أغاني إبراهيم طوقان، قصص التاريخ، وأشغال الكشافة والانضباط، ساهمت في تشكيل جيل عاش الرجولة كمسؤولية، وعرف معنى الحرية.
تحدث الغازي عن جيل الثلاثينيات والأربعينيات باعتباره الأكثر أناقة وثقافة، إذ كان هذا الجيل المدخلي لثورة كانون في 1948، ليظهر كخطيب وشاعر ومعتقل قبل أن يصبح صحفيًا.
كان جيلًا يعايش الكشافة كوسيلة لتربية الرجولة ويرى في الوطنية شرفًا حقيقيًا. هنا نشأ وعيه وشُكّل وجدانه، وتبنى القلم كأداة مقاومة وليس وسيلة للعيش.
دخل عالم الصحافة من بوابة لواء الاستقلال، لكن لم يكن دخولًا مفعمًا بالثقة، بل مليئًا بالقلق والخوف من الكلمة.
تعلم على يد فيصل حسون أن المقال لا يُنشر لمجرد جودته، بل لكونه ضروريًا. كانت لديه قناعة أن النشر ليس حقًا بل حق مكتسب، وأن المقال يجب أن يُكتب ليكون مستقلاً وقويًا.
عندما أُغلقت الجريدة كان أصغر سكرتير تحرير في تاريخ الصحافة العراقية بلا تظاهر، وكأنه يدرك أن الصحافة تعلو على أعمارنا.
ثم جاء عهده الجديد مع الحرية، وظهرت أخبار بمختلف معاني الاحتراف، حيث المؤسسات والتقنيات الحديثة والتفاعل اليومي مع الخبر والتحقيق.
وفي كل خطوة، كان يتقدم بخطوات هادئة لكنه مؤثرة، محتفظًا بما أسماه أساتذته: الحصانة الذاتية الفكرية.
عند إصدار مجلة كل شيء، لم يكن يسعى إلى امتلاكها، بل أراد إنشاء مساحة حرة. كانت مجلة سياسية شاملة، ظهرت في زمن الصراعات والانقسام، ورفعت شعار «سلام لا استسلام»، حيث زين غلافها بصورة مارد عربي يحمل الزيتون والسلاح معًا.
وعلى الرغم من أنها أصدرت خمسين عددًا فقط، إلا أنها تركت بصمة واضحة في تاريخ الصحافة العراقية مثل شعاع ضوء أُخمد سريعًا، لكنه ترك أثرًا في الذاكرة.
كان الفن بالنسبة له حاجة إنسانية، وليس ترفًا. منذ عام 1946، انخرط في النقد الفني وكون صداقات مع الفنانين، مشجعًا المواهب حتى أنه تولى تقديم برنامج (صوت الفن)، الذي يعد أطول برنامج إذاعي فني في تاريخ إذاعة بغداد، حيث استمر لأكثر من 600 حلقة، وبث لأكثر من 14 عامًا بلا توقف.
من خلال هذا البرنامج، عَرَّف المستمعين على العديد من علامات الفن العربي والعالمي، واكتشف مواهب باتت لاحقًا رموزًا في الذاكرة العراقية.
ربما تكون أعظم إنجازاته تلك التي لم تُسجل تحت اسمه، بل جاءت على شكل قوانين: قانون تقاعد الصحفيين وقانون نقابة الصحفيين والنظام الأساسي للاتحاد العام للصحفيين العرب والقانون العربي الموحد للصحافة.
هذه النصوص التشريعية لا تزال سارية، تشهد على قانونيته وفهمه العميق بأن الكلمة تحتاج إلى حماية قانونية، لأن كاتبها كانت لديه دراية بالمهنة بدلاً من السلطة.
تأسيس نقابة
لم يكن صحفيًا عاديًا في المؤسسات الإعلامية، بل كان قائدًا في المجال النقابي، حيث ساهم مع زملائه في تأسيس نقابة الصحفيين العراقيين وتعزيز عملها المهني.
ثم انضم إلى اتحاد الصحفيين العرب، لا سيما بعد استشهاد أمين الاتحاد السابق حنّا مقبل، مما زاد من دوره في توحيد الصحفيين العرب والدفاع عن الحريات.
كان لقبه «شيخ الصحفيين» تعبيرًا دقيقًا، إذ كان معلمًا ومرجعًا أخلاقيًا، عُرف بنزاهته وابتعاده عن الحقد والانتقام أو المساومة. واستمر في العمل الصحفي حتى وهو يرى أقرانه يتبوأون مناصب رفيعة، ليقول بكل بساطة: لا زلت صحفيًا.
تشير الوثائق التاريخية أن اتخاذ قرار الاحتفال بعيد الصحافة العراقية لم يكن قرارًا عاطفيًا، بل تم بالإجماع من قبل الصحفيين العراقيين خلال مؤتمرهم الثامن في عهد الرئيس الراحل عبد الرحمن عارف، وتحديدًا في 26 أبريل 1968.
في هذا السياق، يشير الصحفي البارز زيد الحلّي، الذي عايشه، إلى حقيقة قد يغفلها الكثيرون اليوم، وهي أن اقتراح اعتبار الخامس عشر من يونيو عيدًا للصحافة العراقية هي من فكرة الغازي.
لم يكن مجرد قرار عابر، بل كان تجسيدًا لوعي تاريخي بأهمية الذاكرة الصحفية، وضرورة وجود يوم يستعيد فيه الصحفيون معنى مهنتهم.
لم يكن يرى في هذا اليوم مجرد مناسبة لتبادل التهاني، بل اعتبره فرصة للمراجعة الأخلاقية، حيث يُسائل الصحفي قلمه ويقيم صدقه قبل أن يمد يد المصافحة لزميله.
ومن المدهش حقًا أن هذا الرجل، الذي ساهم في إرساء تقاليد المهنة، لم يغادرها قط. حتى في منزله، متجاوزًا سنوات العمر، استمر في متابعة الصحافة المعاصرة، يقرأ ويجري المقارنات ويدرس تحولات المهنة في عصر الرقمنة، ولكنه لم يكن ناقدًا، بل كان معلمًا يشعر بالقلق من تراجع القيم.
كان يستفسر عما يُنشر، ويلاحظ العناوين، ويبتسم عند رؤية محاولات جدية، ويبقى صامتًا طويلًا عند مشاهدته الانحدار كما لو كان لا يزال في غرفة التحرير وليس في عزلته عن الحياة.
لم يكن فقط اسماً ينضم إلى أرشيف الصحافة، بل كان يمثل ضميرًا مهنيًا، وذاكرة وطنية، وروحًا لم تفقد زخمها. إنه واحد من الشخصيات القليلة التي إذا غابت عن الوجود.
حين نتحدث عنه اليوم، نحن لا نروي قصته فقط، بل نذكّر الأجيال بأن الصحافة كانت يوماً ما رمزاً للشرف، واستجابة لواجب، ورسالة تعكس الحياة.
وإذا كانت الأمم تُقيّم بمقدار الرجال الذين تنتجهم، فإن الصحافة العراقية تُقيس بسجّاد الغازي، ليس فقط لأنه من الأكثر تقدماً في سن المهنة، بل لأنه أظهر ولاءً لا يتزعزع لها.
إنه من أولئك الذين وإن غابوا، لا تُغلق صفحاتهم… بل تُفتح التساؤلات حول إرثهم.
لم يكن مجرد اسم يُدوّن في أعلى صفحة جريدة، ولا توقيعًا يأتي في نهاية مقال بشكل عابر، بل كان يُجسد حقبة كاملة تمشي على الأرض.
وعندما كان يجلس إلى مكتبه، كانت بغداد تجلس برفقته، وتنهض معها الصحافة العراقية بكامل ثقلها وأسئلتها وآمالها المؤجلة.