محمد باقر الحكيم ومسيرة النضال والجهاد
لؤي الموسوي
يُعد آية الله المجاهد السيد محمد باقر الحكيم (1939–2003) من أبرز الشخصيات الدينية والسياسية في العراق المعاصر، وقد ارتبط اسمه بمسيرة طويلة من النضال والجهاد ضد الاستبداد، وبالسعي إلى بناء مشروع إسلامي إصلاحي يقوم على العدالة والكرامة والحرية.
وُلد السيد محمد باقر الحكيم في النجف الأشرف، في أسرة علمية عريقة كان لها حضورها المؤثر في الحوزة العلمية. تلقّى علومه الدينية على أيدي كبار العلماء، وتدرّج في الفقه والأصول والفكر الإسلامي، حتى برز كعالمٍ ومفكّرٍ يجمع بين العمق الديني والوعي السياسي.
منذ وقت مبكر، اتخذ الحكيم موقفًا واضحًا من نظام البعث وسياساته القمعية، خاصة ما تعرّض له العلماء والمتدينون وعموم الشعب العراقي من اضطهاد. دفع هذا الموقف ثمنه غاليًا؛ إذ تعرّضت عائلته لملاحقات شديدة، واستُشهد عدد من إخوته وأقاربه، ما جعل مسيرته مثالًا للتضحية والصبر.
اضطر السيد الحكيم إلى الهجرة خارج العراق، حيث واصل نشاطه المعارض. وكان من أبرز محطات هذه المرحلة تأسيسه وقيادته لـ المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق عام 1982، الذي مثّل إطارًا سياسيًا وتنظيميًا لمقاومة الدكتاتورية، وجمع بين العمل السياسي والفكري والتنظيمي، مع التأكيد على البعد الوطني ووحدة العراق.
لم يكن الجهاد عند السيد الحكيم مجرد عمل عسكري، بل مشروعًا أخلاقيًا وسياسيًا يهدف إلى رفع الظلم وبناء دولة تحترم الإنسان وحقوقه. دعا إلى التعددية، والتعايش بين مكوّنات الشعب العراقي، ورفض الانتقام، مؤكدًا أن مستقبل العراق لا يُبنى إلا بالمصالحة والعدالة.
بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، عاد السيد محمد باقر الحكيم إلى العراق وسط استقبال شعبي واسع، وبدأ بالدعوة إلى بناء الدولة والمؤسسات وترسيخ السلم الأهلي. إلا أن هذه المسيرة لم تدم طويلًا؛ إذ تعرّض لعملية اغتيال إرهابية في النجف الأشرف بعد صلاة الجمعة، ليُستشهد مع عدد كبير من المصلّين.
ترك السيد محمد باقر الحكيم إرثًا كبيرًا في الفكر الإسلامي والسياسي، وفي ترسيخ ثقافة المقاومة الواعية، والعمل المنظم، والتضحية من أجل الوطن. ولا يزال حضوره حاضرًا في الذاكرة العراقية بوصفه رمزًا للنضال ضد الطغيان، وداعيةً إلى وحدة الصف وبناء مستقبلٍ عادل.