عيد الله الاكبر
مالك رحيم
مقدمة
مكانة يوم الغدير في التاريخ الإسلامي
يُمثّل "يوم الغدير الأغر" (الثامن عشر من ذي الحجة في السنة العاشرة للهجرة) محطة تاريخية مفصلية في مسار الدعوة الإسلامية. فالحدث لم يكن مجرد واقعة عابرة، بل جاء في سياق زماني ومكاني استثنائي؛ حيث كان النبي (صلى الله عليه وآله ) عائدًا من "حجة الوداع" برفقة عشرات الآلاف من المسلمين. إن دراسة هذا الحدث بأسلوب علمي ومنهجي رصين، بعيدًا عن السجال العاطفي، تتطلب القراءة في أصل الواقعة، وموقعها من النص القرآني، وتواترها في مصادر المذاهب الإسلامية (السنية والشيعية على حد سواء)، للوقوف على دلالاتها العميقة في مفهوم
"الولاية”.
أولاً: السياق التاريخي والجغرافي لواقعة الغدير
في طريق العودة من مكة إلى المدينة المنورة، وتحديدًا عند موضع يُدعى "غدير خم" بالقرب من الجحفة (وهي نقطة تتشعب منها طرق المسلمين إلى مدنهم وقراهم)، أمر النبي (صلى الله عليه وآله ) بجمع الناس، وطلب إرجاع من سبق، وانتظار من تأخر.
في هذا المكان القاحل وتحت شمس الهجير، خُطب بالأمة خطبة طويلة شهيرة أرسى فيها النبي (صلى الله عليه وآله) القواعد الختامية لرسالته، وقام برفع يد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) مُعلنًا ولايته للأمة.
ثانياً: الأدلة القرآنية والروابط السببية
يربط الباحثون والمؤرخون بين واقعة الغدير ونزول آيتين محكمتين من سورة المائدة، تُحدد الأولى الأمر بالتبليغ، وتُعلن الثانية تمام النعمة
. آية التبليغ:
﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة: 67).
الدلالة العلمية: صيغة الآية تحمل طابعًا حازمًا واستثنائيًا؛ فعبارة "وإن لم تفعل فما بلغت رسالته" تشير إلى أن الأمر المراد تبليغه يوازن في ثقله وأهميته مجمل الرسالة الإسلامية، وأنه الضمانة لاستمرارها. وتؤكد المصادر المعتمدة أن الآية نزلت قبيل إعلان الولاية في غدير خم لحماية النبي وتأكيد الدعم الإلهي له.
. . آية إكمال الدين:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: 3).
الدلالة العلمية: نزلت هذه الآية بعد الفراغ من الخطبة وإعلان الولاية وأخذ البيعة للإمام علي (عليه السلام). والربط الزمني هنا يعكس صلة سببية واضحة: إعلان المرجعية والقيادة بعد النبي كان الشرط الأساسي لإكمال البناء الديني وإتمام النعمة الإلهية على الأمة، ليأمن المسلمون من الضياع بعد غياب القائد المؤسس
ثالثاً: حقيقة بيعة الغدير في مصادر أهل السنة والجماعة
يُعدّ حديث الغدير من الأحاديث "المتواترة" (أي التي رواها جمع كبير يستحيل تواطؤهم على الكذب) في مصادر أهل السنة. فقد خرّجه أصحاب الصحاح والمسانيد بطرق متعددة وصحيحة، ومن أبرز هذه المصادر والأدلة:
مسند أحمد بن حنبل: روى الإمام أحمد في مسنده بأسانيد صحيحة عن زاذان عن البراء بن عازب قال: كنا مع رسول الله (ص) في سفر فنزلنا بغدير خم، فنودي فينا: الصلاة جامعة، وكُسح لرسول الله (ص) تحت شجرتين، فصلى الظهر وأخذ بيد علي رضي الله عنه فقال: «ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟» قالوا: بلى، قال: «ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه؟» قالوا: بلى، قال: فأخذ بيد علي فقال: «من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه». قال: فلقيه عمر بعد ذلك فقال له: "هنيئًا يا ابن أبي طالب، أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة".
صحيح الترمذي (السنن): أخرج الترمذي في سننه وصححه، وكذا الحاكم النيسابوري في "المستدرك على الصحيحين" وصححه على شرط الشيخين (البخاري ومسلم) النص النبوي: «من كنت مولاه فعلي مولاه».
خصائص أمير المؤمنين للإمام النسائي: (وهو أحد أصحاب السنن الستة)، أفرد فيه مساحة واسعة لجمع طرق هذا الحديث وإثبات صحته وتعدد رواته من الصحابة.
تفسير الطبري وابن كثير: ذكرا في تفاسيرهما الروايات التي تربط بين نزول آية التبليغ وواقعة غدير خم.
رابعاً: واقعة الغدير في مصادر المدرسة الإمامية (الشيعة)
تحتل واقعة الغدير في الفقه والاعتقاد الشيعي موقع الصدارة، وتُعتبر النص الجلي والأقوى على الإمامة المباشرة والوصاية الإلهية للإمام علي (عليه السلام).
التواتر القطعي: ينظر الشيعة إلى الحديث على أنه قطعي الصدور والدلالة. وقد أفرد العلماء مصنفات ضخمة لجمع أسانيده، ولعل أشهرها موسوعة "الغدير في الكتاب والسنة والأدب" للعلامة الأميني، والتي تقع في عدة مجلدات، استعرض فيها طرق الحديث من كتب السنة والشيعة عبر القرون تلو القرون.
الاقتران بحديث الثقلين: تربط المصادر الشيعية (وكثير من المصادر السنية كصحيح مسلم) خطبة الغدير بـ "حديث الثقلين"، حيث قال النبي (ص): «إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي...»، مما يوضح أن الولاية لعلي (ع) هي الامتداد العملي والتطبيقي للتمسك بالعترة الطاهرة المصاحبة للقرآن.
خامساً: التحليل الدلالي لمصطلح "المولى" والولاية
إن الجدل التاريخي والكلامي لم يدر حول "وقوع الحادثة" أو "صحة الحديث"؛ لأنها ثابتة بيقين، وإنما دار حول تفسير كلمة (المولى). وهنا يقدم التحليل العلمي الرصين الأبعاد التالية:
|
وجه التفسير |
القراءة المنهجية والسياقية |
|
المحبة والنصرة |
يرى فريق أن المراد هو المحبة والدعوة لترك معاداته (بسبب مواقف سابقة في اليمن). |
|
الأولية بالتدبير والقيادة (الولاية) |
يرى فريق آخر (الشيعة وجمع من المحققين) أن السياق يفرض معنى القيادة والطاعة؛ بدليل مقدمة النبي: «ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟». فـ "الأولية" المذكورة في مطلع الكلام هي نفس "المولى" المذكورة في آخره، وهي تعني الزعامة الروحية والسياسية والتشريعية للأمة بعد غياب النبي. |
أضف إلى ذلك، فإن اللجوء إلى حشد عشرات الآلاف في ظروف مناخية قاسية لحثهم على "محبة" شخص فحسب، لا يتناسب عقلًا مع حجم الاستنفار النبوي؛ مما يرجح أن الأمر كان تشريعًا لمنصب قيادي وإرساءً المرجعية الأمة
خاتمة
إن "يوم الغدير" يمثل بيعة حقيقية وواقعة تاريخية لا سبيل لإنكارها، معززة بآيات القرآن المتواترة وأسانيد السنة المعتمدة لدى جميع المذاهب. وإذا كانت القراءات التفسيرية قد تباينت حول حدود هذه الولاية ودلالاتها السياسية، فإن الثابت المشترك بين جميع المسلمين هو المكانة الاستثنائية للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) كمرجعية علمية وروائية وروحية كبرى، تُشكل نقطة التقاء ووحدة للأمة الإسلامية متى ما قُرئت الحادثة بعين الإنصاف العلمي والتدبر في نصوص الشريعة الغراء.