الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بعض الغموض.. سيادة كاملة

بواسطة azzaman

بعض الغموض.. سيادة كاملة

وفاء الفتلاوي

 

في عالم لم يعد يعترف كثيراً بالحدود بين الخاص والعام بات الإنسان يعيش تحت رقابة مستمرة تبدأ من المجتمع ولا تنتهي عند السياسة فكما تخشى الدول انكشاف أسرارها خوفا على سيادتها أصبح الأفراد أيضا يخشون انكشاف دواخلهم خشية فقدان هيبتهم أو استقلالهم النفسي.

وسط هذا الانكشاف الهائل عاد الغموض بوصفه وسيلة دفاع لا صفة شخصية فقط فالإفراط في كشف الذات يحول الإنسان تدريجياً إلى رهينة لنظرات الآخرين وأحكامهم.

وبين سلطة المجتمع التي تطالب الإنسان بأن يكون مكشوفاً دائماً وسلطة السياسة التي تدير كثيراً من ملفاتها بمنطق الغموض تتشكل معادلة معقدة يعيشها الفرد يوميا إذ لم يعد السؤال فقط كيف يعيش الإنسان؟ بل كيف يحافظ على ذاته في عالم يريد معرفة كل شيء عنه وهنا تحديداً يتحول الغموض من مجرد صفة شخصية إلى شكل من أشكال السيادة الإنسانية والاجتماعية وحتى السياسية.

ان الغموض هنا لا يعني الكذب أو التلاعب أو ارتداء الأقنعة بل يعني أن يمتلك الإنسان حق الاحتفاظ بجزء من داخله بعيداً عن أعين الآخرين وأن لا يكون مضطراً لتفسير كل صمته أو تبرير كل قراراته أو كشف كل جروحه للعلن فالإنسان الذي يشرح نفسه باستمرار يفقد شيئاً فشيئاً قدرته على حماية حدوده النفسية بينما الشخص الذي يعرف ماذا يقول وماذا يخفي يكون أكثر تماسكاً وقدرة على السيطرة على صورته وحياته.

لكن المشكلة أن المجتمع الحديث خصوصاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي خلق ثقافة معاكسة تماماً فكل شيء أصبح معروضاً العلاقات، الخلافات، الحزن، الفرح، وحتى الانهيارات النفسية ومع الوقت صار الصمت يثير الشك وأصبح الغموض يفسر أحياناً على أنه تكبر أو ضعف في التواصل بينما الحقيقة أن بعض الناس لا يملكون رغبة دائمة في كشف أنفسهم للآخرين وهناك فرق كبير بين الإنسان المنغلق خوفاً والإنسان الذي يختار الاحتفاظ بخصوصيته عن وعي.

ومن الناحية النفسية فإن الإفراط في الانكشاف يستهلك الإنسان بشكل هائل فالإنسان حين يعتاد مشاركة كل شيء يصبح أسيراً لردود أفعال الآخرين وآرائهم وتقييماتهم ويبدأ بالبحث عن القبول بشكل دائم ويخسر تدريجياً قدرته على العيش بعيداً عن التصفيق أو الانتقاد لذلك فإن الغموض أحياناً يكون حماية للنفس من هذا الاستنزاف لأنه يمنح الإنسان مساحة آمنة لا يصل إليها أحد.

 

أما اجتماعياً، فقد أصبح كثير من الناس يعيشون تحت ضغط الظهور المستمر خشية أن يصبحوا غير مرئيين وهناك خوف دائم من أن يبدو الإنسان غائبا لذلك يسارع البعض إلى نشر كل تفاصيل حياتهم لإثبات حضورهم ولكن المفارقة أن كثرة الظهور لا تعني دائماً قوة الشخصية بل قد تكون أحياناً محاولة لسد فراغ داخلي أو للحصول على اهتمام مؤقت في المقابل الشخص الذي لا يكشف كل شيء يبدو أكثر هدوءاً وثقة لأنه لا يشعر بالحاجة المستمرة لإثبات نفسه أمام الجميع.

والأمر لا يختلف كثيراً في السياسة فالدول أيضاً تمارس ما يعرف بـ"سياسة الغموض" لحماية سيادتها ومصالحها ليست كل المعلومات تُقال، ولا كل القرارات تُكشف لأن الانكشاف الكامل قد يضعف قدرة الدولة على المناورة والحفاظ على هيبتها والسيادة هنا لا تعني فقط السيطرة على الأرض بل السيطرة على القرار والمعلومة والصورة وهذا يشبه الإنسان تماماً فحين يصبح مكشوفاً بالكامل يفقد جزءاً من هيبته وقدرته على إدارة حياته باستقلالية.

لكن الغموض الحقيقي ليس استعراضاً بارداً ولا محاولة لجذب الانتباه عبر الصمت المتعمد فهناك نوع متكلف من الغموض يحاول أصحابه الظهور بصورة “المعقد” أو “العميق” لإثارة فضول الآخرين، وهذا غالباً ما يكون هشاً ومصطنعاً أما الغموض الناضج فهو أن يمتلك الإنسان توازناً بين الحضور والخصوصية بين التواصل والاحتفاظ بمساحته الخاصة.

في النهاية، ربما لم يعد الغموض ترفاً نفسياً كما كان في السابق بل اصبح ضرورة لحماية الإنسان من عالم يريد معرفة كل شيء عنه طوال الوقت فليس كل ما نشعر به يجب أن يقال وليس كل ما نعيشه يحتاج إلى إعلان فبعض الصمت قوة وبعض الخصوصية كرامة وبعض الغموض… سيادة كاملة على الذات.


مشاهدات 70
الكاتب وفاء الفتلاوي
أضيف 2026/06/06 - 3:21 PM
آخر تحديث 2026/06/07 - 12:50 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 66 الشهر 5751 الكلي 15881232
الوقت الآن
الأحد 2026/6/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير