الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حسون الأمريكي بقبعة كاوبوي وحذاء جم جم

بواسطة azzaman

برغم تقاليدهم.. البغادّة تسامحوا مع الإنفتاح الثقافي على الغرب

حسون الأمريكي بقبعة كاوبوي وحذاء جم جم

شاب يسكن الأعظمية تأثر بالأفلام وتحدّي التقاليد

سعدون الجنابي

 

في الخمسينات انتبه البغادّة الى شخص يسير في شارع الرشيد وهو يرتدي ملابس غريبة عن ذلك العصر ، ولاحظوا أنه يسير من الشمال الى الجنوب وبالعكس!.. ملابسه كانت ثورة على الموروث الشعبي  والعرف والتقاليد. وعدّوا ذلك ظاهرة ملفته للنظر. ولأنّ البغدادي إنسانٌ، ينمُّ تعامله عن سمو الأخلاق، رأى أن الشخص لم  يتعدَّ، أو يخرج عن الآداب العامة ، بل إنه يلبس ملابس وأحذية  (جم جم ) أي الاحذية الهندية ذات الوجه المعكوف للأعلى، والتي تعوّد البغادة أن يرونها بأفلام السينما.

 أما ملابسه الغريبة فهي تقليد لأبطال الأفلام ألاميركية الذين كانوا يلبسون القمصان الملونة و البنطلونات القصيرة، والغريب أن هذا الشخص كان يصعد في باص المصلحة بتلك الملابس لا بل ويذهب إلى دوامه في كلية الزراعة، ولأن البغادة يحترمون الآخر ومعتقداته وما يؤمن به ، فكانوا يتابعون الرجل بالنظر ، ويسلمون عليه وكان يرد عليهم بالانكليزية ( هلو بويز) وترجمتها مرحبا يا أولاد!.

    ذلك الإنسان غريب الشكل والمظهر والملبس هو حسون العبيدي ، رجل أسمر طويل القامة، يقطع الشارع مشياً من الأعظمية  الى الباب الشرقي و بالعكس، ولأن البغادة شاهدوه يلبس قبعة الكابواي والجينز فقد أطلقوا عليه اسم حسون الاميركي . وحسون كان من سكنة منطقة الأعظمية ويسير من بيته الى الباب الشرقي ويعود ، بعد ذلك بساعات ، إلى بيته مشيا على الأقدام ، مغيراً بين الحين والآخر ملابسه،  ولم يكن يسير على الرصيف ، بل في الشارع وعكس سير السيارات .

   المهم أن حسون كان يلقى من البغادة الاحترام ولم يتعرضوا له لا بكلام جارح ولا منعوه من مواصلة سيره ، بل عدوه شخصية ظريفة ، وقد شاهدته عديد المرات وهو يسير من الجهة المقابلة لمحل والدي متجها إلى الباب الشرقي وفي قدميه حذاء ( جم جم) وبنطلون نصفي وجواريب ملونة. والحال ، أن سلوك البغادة الحضاري ثقيل ملابس حسون بوصفها مودة، كما تقبلوا سلوكه بوصفه تعبيراً عن الحرية الشخصية، ولم يوجهوا الإساءة إليه ما دام لا يسير إليهم.

افلام سينمائية

ووفقا للمصادر ، التي قرأتها عن حسون الاميركي ، فإنه كان زبونا دائماً لدور العرض السينمائية ولمحال الملابس الراقية في شارع الرشيد، وقد تأثر جدا بما كان يشاهده في السينما من طريقة لبس الممثلين ، وبدأ يطبقها على نفسه ، ولقد شاهد أن بعض الممثلين يربي كلبا  ويصطحبه معه فربى هو الاخر ، كلباً وراح يصطحبه معه في أثناء سيره في الشارع .

والواقع أنّ البغادة كانوا يتعاملون بإيجابية مع الثقافات الأخرى ويتقبلون الافكار والممارسات التي لا تنسجم مع موروثهم و ثقافتهم ، ولا تخدش قيمهم، في الوقت نفسه، وبعضهم تأثر، بسرعة ، بما كانوا يشاهدونه من أفلام ، ومن الواضح الأثر الذي تحدثه الأفلام السينمائية الحديثة التي تعرضها مختلف دور العرض السينمائية  من تغيير في تفكير الناس وقناعاتهم وتكوين آراء جديدة ، وقد اسهمت تلك الأفلام في تخفيف وطأة الموروث الديني على سلوكهم وجعلهم اكثر انفتاحا وتحضراً. والدليل أن عدداً كبيراً من النساء غير المحجبات كن يدرسن في الجامعات ويعملن ، بعد تخرجين،  في مهن كطبيبات ومهندسات ومعلمات ، ومنهن من أصبحن عازفات كالراحلة بياتريس اوهانسيان وغيرها، وكنَّ يظهرن في الشوارع حاسرات الرأس ويذهبن الى دور السينما ويحضرن حفلات الاغاني الشهرية وحفلات الازياء واختيار ملكة جمال بغداد.

  وكانت هناك عروض للفرقة السيمفونية العراقية ، ومحاضرات الأدباء والشعراء والعلماء الأجلاء، فضلا عن الصحفيين والنوادي الاجتماعية.

هذا النص، نُشر في كتابي “رحلة في ذاكرة شارع الرشيد”، تحت عنوان “غريب في الشارع”..   

حسون كاظم عيسى العبيدي

ولد «حسون» الأمريكي»، أو «حسون كاظم عيسى العبيدي» في محلة الصليخ القديم سنة 1929 ، وتوفي عام 1985 ، إثر جلطة. أكمل تعليمه في مدرسة الأعظمية الأولى للبنين، وتخرج في ثانوية المشرق الأهلية.

شاعت ظاهرته في خمسينات القرن الماضي، وبقيت طرافة حسون تتناقلها ألسنة البغداديين في الستينات، وحتى السبيعنات. ويكاد كثيرون من قدامى الناس لم ينسوا بعد مشاهدتهم حسون الأمريكي» عصراً في شارع السعدون، وهو يقود دراجة سباق، مرتدياً على نقيض أقرانه من الشبان - بنطلوناً قصيراً لا يتجاوز ركبتيه، أي «شورت» وقميصاً مزركشاً، وخوذة واقية، وجوارب مقلمة، أشبه بتلك التي يلبسها لاعبو كرة القدم أيام زمان.

 

 


مشاهدات 225
الكاتب سعدون الجنابي
أضيف 2026/01/05 - 3:13 PM
آخر تحديث 2026/01/08 - 2:37 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 479 الشهر 5620 الكلي 13113043
الوقت الآن
الخميس 2026/1/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير