الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ألهيمنة الاستباقية الامريكية...المعطيات والتداعيات

بواسطة azzaman

ألهيمنة الاستباقية الامريكية...المعطيات والتداعيات

قتيبة آل غصيبة

 

ليس ما تفعله الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية اليوم انحرافاً طارئاً ولا نزوة سياسية عابرة؛ بل هو عودة صريحة وقحة؛ إلى الجذر العميق لعقيدتها الإمبراطورية التي تأسست منذ "بيان مونرو" : (بيان أعلنه الرئيس الأمريكي جيمس مونرو؛ ت:١٨٣١ في رسالة سلّمها للكونغرس الأمريكي في 1823)، ذلك البيان؛ الذي تم تقديمه يومها بوصفه تحذيراً دفاعيًا للقوى الأوروبية؛ تحوّل عبر الزمن إلى صكّ هيمنة مفتوح؛ يختزل دول أمريكا الجنوبية والوسطى في موقع (الحديقة الخلفية)؛ حيث يتم إسقاط الأنظمة؛ وتُعاد صياغة الدول؛ وتُكسر القواعد كلما اقتضت المصلحة الأمريكية ذلك.

من بنما إلى بغداد؛ ومن كابول إلى كاراكاس، تتكرر القصة ذاتها بوجوه مختلفة وشعارات متبدلة؛ لكن بجوهر واحد ثابت: (القوة أولاً، والشرعية لاحقاً إن لزم الأمر)، ففي أواخر عهد رونالد ريغان؛ لم تتردد واشنطن في اجتياح بنما واعتقال رئيسها الاسبق "مانويل نورييغا؛ ت:2٠١٧"، الحليف السابق لوكالة الاستخبارات المركزية؛ عندما انتهت صلاحيته الوظيفية وأصبح عبئاً سياسياً؛ فقد رُفعت ضده لافتات مكافحة المخدرات وحماية الديمقراطية؛ لكن الحقيقة العارية كانت إعادة فرض السيطرة الأمريكية على مفصل استراتيجي حيوي؛ وإرسال رسالة دموية مفادها أن من يخرج عن الخط المرسوم؛ حتى لو كان صنيعة أمريكية؛ سيكون مصيره الإقصاء بالقوة.

بعد ذلك بسنوات، جاء جورج بوش الصغير ليأخذ هذا المنطق إلى مستوى أكثر تدميراً وشمولاً، ليقوم باحتلال أفغانستان ثم العراق؛ إذ لم يكن هذا الاحتلال مجرد رد فعل على هجمات سبتمبر؛ بل كان إعلاناً صريحاً عن ولادة مرحلة (الهيمنة الاستباقية)، حيث تُصنَع التهديدات؛ وتُضخَّم الأكاذيب؛ وتُشن الحروب تحت عناوين أخلاقية زائفة؛ منها مكافحة الارهاب وأسلحة الدمار الشامل التي لم تُوجد؛ والديمقراطية التي لم تولد؛ فقد كانت مجرد أدوات دعائية لتبرير تدمير دول كاملة؛ وتمزيق مجتمعاتها؛ وفتح أبواب الفوضى التي لا تزال تحصد أرواح الأبرياء حتى اليوم.

 

واستمراراً لهذه الهيمنة، فإن دونالد ترامب لم يأتِ بشيء جديد في الجوهر؛ لكنه جاء بنبرة أكثر فجاجة ووضوحاً. ما سُمِّي بسياسة (أمريكا أولاً) لم يكن سوى نزع القناع عن وجه قديم؛ وجه يرى العالم ساحة صفقات؛ والدول الضعيفة أوراق ضغط، والقانون الدولي تفصيلاً مزعجاً يمكن تجاهله، في فنزويلا؛ لم تُخفِ إدارة ترامب نيتها في إسقاط نظام رئيسها "نيكولاس مامادور"؛ لا دفاعًا عن الشعب الفنزويلي؛ بل لأن هذا النظام تجرأ على كسر الاحتكار الأمريكي للنفوذ في أمريكا الجنوبية؛ وفتح أبوابه لروسيا والصين في منطقة تعتبرها واشنطن ملكية خاصة لها منذ قرنين.

إن أوجه التشابه بين ريغان وبوش الابن وترامب ليست عرضية؛ بل بنيوية، في الحالات الثلاث؛ تبدأ العملية بشيطنة الخصم وتجريده من أي شرعية سياسية أو أخلاقية، إذ تحول نورييغا  إلى تاجر مخدرات؛ وصدام حسين إلى تهديد نووي؛ وطالبان إلى وحش كوني؛ ومادورو إلى زعيم «إرهاب مخدرات»، ويتم تهميش القانون الدولي؛ والالتفاف على مجلس الأمن، واستبدال الشرعية الأممية بتحالفات انتقائية أو بقرار أحادي صادر من واشنطن، (ثم تأتي الضربة القاضية: إسقاط النظام أو إخضاعه، دون أدنى اكتراث بما سيحدث للدولة والمجتمع بعد ذلك.)

الأخطر في هذا المسار هو الإصرار الأمريكي المزمن على الخلط بين الأمن القومي وإعادة هندسة الدول، فالولايات المتحدة لا تكتفي بإزالة خصومها؛ بل تسعى إلى إعادة تشكيل الخرائط السياسية والاقتصادية بما يخدم مصالحها؛ متجاهلة التاريخ؛ والهوية؛ وتعقيدات المجتمعات المحلية، والنتيجة، كما أثبت العراق وأفغانستان؛ ليست دولاً مستقرة ولا ديمقراطيات مزدهرة؛ بل دولًا محطمة؛ ومجتمعات ممزقة؛ وإرهاباً عابراً للحدود.

إن هذه السياسات لا تدمّر الدول المستهدفة فحسب، بل ترتد على الولايات المتحدة نفسها، فهي تستنزف اقتصادها؛ وتنهك جيشها؛ وتُعمّق الانقسام داخل مجتمعها؛ وتفضح ازدواجية خطابها الأخلاقي، أما على مستوى النظام الدولي؛ فإنها تُسهم بشكل مباشر في تفكيك ما تبقى من قواعد تضبط العلاقات بين الدول؛ وتفتح الباب أمام عالم تحكمه شريعة القوة؛ حيث يحق للكبار ما لا يُسمح للصغار.

إن أخطر ما في استراتيجية واشنطن تجاه أمريكا اللاتينية؛ كما تجاه الشرق الأوسط ، أنها تُرسّخ سابقة خطيرة: (إذا كانت القوة العظمى الأولى في العالم تتعامل مع السيادة بوصفها خياراً لا التزاماً؛ فلماذا يلتزم الآخرون؟)، وهكذا يتحول النظام الدولي تدريجياً إلى ساحة صراع مفتوحة، تُدار بالقوة لا بالقانون؛ وبالابتزاز لا بالشرعية.

في النهاية، ليست بنما ولا العراق ولا أفغانستان ولا فنزويلا سوى محطات في مسار واحد طويل؛ مسار يُظهر أن الولايات المتحدة؛ رغم خطابها عن الحرية والديمقراطية؛ لا تزال أسيرة عقيدة الهيمنة، والفرق الوحيد أن العالم تغيّر؛ ولم تعد كلفة كسر القواعد محصورة في دولة واحدة أو إقليم بعينه؛ بل باتت تهدد استقرار النظام الدولي برمته؛ وتدفع البشرية خطوة إضافية نحو فوضى كبرى قد لا ينجو أحد من ارتداداتها، فهو قد يسمح للصين غزو تايوان وضمها إليها؛ ويجعل روسيا تتمادى في حربها ضد أوكرانيا وتوسع رقعتها، ويصبح العالم ساحة لتصفية الحسابات؛ يؤدي الى حرب عالمية تكون اكثر ضراوة وفتكاً وتدمبرا من سابقاتها.

 

وفي قلب هذه الصورة القاتمة، يقف العراق بوصفه المثال الأوضح والأكثر فداحة على نتائج هذا النهج الأمريكي، فالعراق لم يكن مجرد ساحة حرب؛ بل مختبراً مفتوحاً؛ (لعقيدة التدخل وإعادة الهندسة القسرية للدول)، تحت شعار نشر الديمقراطية وإزالة الخطر؛ حيث تم تفكيك الدولة؛ وتحطيم مؤسساتها؛ وإطلاق برامج الفوضى والطائفية والميليشيات؛ التي لم تدمّر العراق وحده؛ بل زعزعت استقرار المنطقة بأكملها، وما زال العراقيون حتى اليوم يدفعون ثمن قرار اتُّخذ في واشنطن؛ استند إلى أوهام القوة واستخفافٍ كارثي بعواقب الفعل.

هنا، تتجلى الصلة المباشرة بين ما حدث في العراق وما يُراد لفنزويلا؛ وبين ما جرى بالأمس في بنما وكابول، (إنها العقيدة ذاتها؛ التي ترى في الدول الضعيفة ساحات اختبار؛ وفي شعوبها أرقاماً هامشية في معادلات النفوذ)، فهي عقيدة تجد جذورها العميقة في مبدأ مونرو نفسه؛ الذي لخّص الرؤية الأمريكية المبكرة بعبارة صريحة المعنى: (إن أي تدخل خارجي في شؤون دول  النصف الغربي من الكرة الأرضية سيُعد عملًا عدائيًا تجاه الولايات المتحدة)، ذلك الاقتباس؛ الذي كُتب في سياق تاريخي مختلف؛ تحوّل مع الزمن إلى مبرر دائم للتدخل؛ لا للدفاع؛ وإلى سلاح سياسي يُشهر متى ما اقتضت المصلحة.

من العراق إلى فنزويلا، يتضح أن المشكلة ليست في الأنظمة المستهدفة وحدها؛ بل في فلسفة سياسية ترى الهيمنة حقاً مكتسباً، والسيادة مفهوماً نسبياً، والقانون الدولي خياراً انتقائياً، وما لم يُعاد النظر جذرياً في هذا النهج، فإن فنزويلا التي تمتلك أكبر إحتياطي نفطي في العالم لن تكون الضحية الأخيرة؛ بل مجرد فصل مؤلم في كتاب لم يُغلق بعد...

والله المستعان


مشاهدات 127
الكاتب قتيبة آل غصيبة
أضيف 2026/01/07 - 3:28 PM
آخر تحديث 2026/01/09 - 1:37 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 55 الشهر 5966 الكلي 13113389
الوقت الآن
الجمعة 2026/1/9 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير