الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
التقنية الإندماجية.. إعادة تشكيل المستقبل

بواسطة azzaman

التقنية الإندماجية.. إعادة تشكيل المستقبل

علي بن محمد الجديع

 

لو تأملنا تاريخ الأمم التي نهضت، لوجدنا أن تقدمها لم يكن نتاج قوةٍ عسكريةٍ، ولا ثروةٍ اقتصاديةٍ، وإنما كان نتيجةً مباشرةً لإدراكها أن المستقبل يُصنع بالعقل قبل اليد، وبالفكر قبل المادة. فالعالم اليوم قائم على من يُحسن استثمار ما يملك، ومن يجعل من التقنية أداةً للإبداع، لا مجرد وسيلةٍ للإنتاج.وفي هذا الإطار، تأتي رؤية السعودية 2030 لتؤكد أن النهضة الحقيقية تنويع مصادر الاقتصاد وفي إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، بحيث تصبح التقنية جزءًا من نسيج الحياة اليومية، وشريكًا استراتيجيًا في الإنتاج والتطوير والابتكار.

تحقيق استدامة

ومن هنا، يُطرح مفهوم «التقنية الاندماجية Integrative Technology»، الذي يعني بإدخال الذكاء الاصطناعي إلى القطاعات المختلفة وجعل التقنية مدمجةً في بنية الاقتصاد، ومتشابكةً مع مجالات الصناعة والتعليم والصحة والخدمات، بحيث تصبح عاملاً رئيسيًا في تحسين الأداء وتعزيز الكفاءة وتحقيق الاستدامة. طالما كانت الصناعة قائمةً على الأيدي العاملة، ثم أصبحت تعتمد على الآلات، لكنها اليوم دخلت مرحلةً جديدة، حيث لم تعد الآلات مجرد أدوات، وإنما أصبحت كيانات ذكية: تتعلم، وتحلل، وتُحسن الأداء بنفسها. ففي «أرامكو» و»سابك»، لم تعد البيانات مجرّد أرقام تُسجل في التقارير، حيث تحولت إلى وقودٍ رقميٍّ يدفع عجلة الإنتاج نحو الكفاءة المثلى. فالمصانع الذكية في السعودية اليوم قد أصبحت تقيس استهلاكها، وتحلل أدائها، وتعدل عملياتها تلقائيًا، مما يجعلها أكثر استدامةً، وأقل هدرًا للموارد.

ثم إن التقنية الاندماجية لم تقف عند حدود تطوير الأداء، حيث دخلت في عمق اتخاذ القرار. فقد أصبحت أنظمة التحليل التنبئي تُستخدم في رصد الأعطال قبل وقوعها، وتحليل الأسواق قبل تقلبها، وتوجيه الاستثمارات نحو القطاعات الأكثر نموًا؛ مما جعل الصناعة السعودية أكثر قدرةً على المنافسة العالمية، وأقل عرضةً لمخاطر التقلبات الاقتصادية.

وإذا كان العالم قد عرف الأطباء منذ آلاف السنين، فإن الطب كما نعرفه اليوم يتحول شيئًا فشيئًا إلى طبٍّ قائمٍ على الذكاء الاصطناعي، حيث تُستخدم الخوارزميات الذكية في التشخيص، والروبوتات الجراحية في العمليات، وتحليل البيانات الضخمة في صناعة القرار الطبي.

وفي المملكة، لم تعد المستشفيات تعتمد على الأطباء وحدهم، بل أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي شريكًا في التشخيص والعلاج. فهناك اليوم برامج قادرةٌ على تحليل صور الأشعة بدقة تفوق قدرة الإنسان، ونماذج رقمية تُحلل التاريخ المرضي للمرضى لتوقع الأمراض قبل ظهورها، مما يُمكن الأطباء من التدخل المبكر، وإنقاذ الأرواح قبل فوات الأوان.

أما في عالم الجراحة، فقد دخلت الروبوتات الذكية إلى غرف العمليات، فأصبح الجراح اليوم لا يحتاج إلى لمس المريض بيديه، بل يُجري العملية عبر روبوتات فائقة الدقة، تُقلل الأخطاء الطبية، وتُسرّع التعافي، مما يجعل الرعاية الصحية في المملكة أنموذجًا عالميًا للجودة والتطور. لقد كان التعليم، لعقودٍ طويلة، يعتمد على نقل المعلومة من المعلم إلى الطالب، دون أن يُتاح للطالب أن يُشارك في تشكيل تجربته التعليمية. لكن مع التقنية الاندماجية، أصبح التعليم تجربةً تفاعليةً، يتعلم فيها الطالب وفق قدراته، ويتلقى المحتوى بأسلوب يناسبه، ويُشارك في صناعة معرفته الخاصة.وقد أطلقت السعودية العديد من المبادرات لدمج الذكاء الاصطناعي في التعليم، فظهرت أنظمة التعليم التكيفي Adaptive Learning، التي تُحدد مستوى الطالب، وتقترح له مسارات تعليمية تناسبه، وتُوفر له تجربة تعلم شخصية، تختلف عن تجربة زملائه، مما يُساعد في رفع جودة التعليم، ويضمن أن يحصل كل طالب على ما يناسبه من المعرفة، لا أكثر ولا أقل.

تعلم عملي

أما في الجامعات، فقد دخلت المختبرات الافتراضية إلى مجال التعليم، فأصبح الطالب اليوم قادرًا على إجراء التجارب العلمية عبر تقنيات المحاكاة، دون الحاجة إلى أدواتٍ فعلية، مما يُوفر التكاليف، ويُتيح للطلاب تجربة التعلم العملي دون المخاطر التقليدية.إن التقنية الاندماجية تعني بتحسين القطاعات المختلفة، وتعني بإعادة تصميم الحياة اليومية، بحيث تصبح المدن أكثر استجابةً لاحتياجات سكانها، وأكثر قدرةً على التكيف مع المتغيرات.

إنها إعادة تعريف لطريقة عمل الاقتصاد، وطريقة تقديم الخدمات، وطريقة تفاعل الإنسان مع بيئته. إنها خطوةً معرفية، وثورة فكرية، تجعل من التقنية جزءًا لا يتجزأ من كل شيء، بحيث يصبح المستقبل أكثر ذكاءً، وأكثر مرونةً، وأكثر استدامة. ولذلك، فإن المملكة لا تتبنى التقنية لمجرد التحديث، ولا تسعى للتحول الرقمي كغايةٍ في حد ذاته، بل ترى في التقنية الاندماجية وسيلةً لتحقيق رؤيتها، وأداةً لصياغة مستقبلها، وطريقًا لجعل حياة المواطن السعودي أكثر تطورًا، وأكثر راحة، وأكثر إبداعًا.

وهكذا، فإن من يُطالع مشهد التحول في المملكة اليوم، يرى وطنًا لا يُقلد أحدًا، ولا يقتبس أنموذجًا، حيث يُبدع أنموذجه الخاص، ويصنع مسيرته بيده، ويكتب تاريخه في سجل الأمم المتقدمة بوصفه قائداً.


مشاهدات 54
الكاتب علي بن محمد الجديع
أضيف 2025/02/26 - 4:59 PM
آخر تحديث 2025/02/27 - 12:47 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 330 الشهر 14913 الكلي 10460284
الوقت الآن
الخميس 2025/2/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير