إنَّ لتشرين معنى
شوقي كريم
إلى الذين خرجوا ذات تشرين، ولم يعودوا كما كانوا. إلى الذين تركوا أسماءهم على الأرصفة، وأصواتهم في حناجر المدن، وأحلامهم معلّقةً في سماء العراق.ليس تشرينُ شهراً في روزنامة العراق، ولا تاريخاً يُستعاد كلما مرّت سنةٌ على الوجع. تشرين فكرةٌ عصيّةٌ على الموت، وكلّما ظنّوا أنّهم دفنوها، نهضت من تحت الركام، ومسحت الغبار عن وجهها، وعادت تسأل: لمن هذا الوطن؟
في تشرين، لم يكن الشارع شارعاً، كان وطناً يمشي على قدمين. ولم تكن الحناجر حناجر، كانت أرواحاً قرّرت ألّا تموت بصمت. ولم تكن الأيدي التي ارتفعت في الساحات تطلب المستحيل؛ كانت تطلب وطناً لا يُسرق، وكرامةً لا تُهان، وحياةً لا تحتاج إلى معجزة كي تكون ممكنة.
فقر البلاد
خرجوا، وفي جيوبهم فقر البلاد، وفي صدورهم غنى الحلم. لم يحملوا من الدنيا سوى أعمارهم، وكانوا يعرفون، أو لعلّهم لم يعرفوا، أنّ بعض الأعمار حين تُبذل من أجل الآخرين تصبح أكبر من أصحابها، وأنّ الدم الذي يسيل على الإسفلت لا يعود إلى الجسد، لكنه يظلّ يسأل الأحياء عن معنى بقائهم.. يا تشرين .. يا شهر الشباب الذين استعجلوا المستقبل، فاستقبلتهم رصاصات الحاضر.يا شهر الأمهات اللواتي تعلّمن أسماء الساحات كما تعلّمن أسماء أبنائهن، وصِرنَ يحدّقن في الوجوه العابرة، لعلّ وجهاً من الغائبين يعود، ولعلّ الباب الذي أُغلق على الفقد يُفتح ذات مساء.يا شهر الخيام التي كانت بيوتاً مؤقتةً لوطنٍ دائم الغياب، والأغاني التي ارتفعت فوق الخوف، والأعلام التي رفرفَت كأنّها تقول للسماء: ما زال في هذه الأرض مَن يستحقّ المطر. واليوم، حين تعود التظاهرات إلى الشوارع، لا يعود تشرين كما كان تماماً؛ فالسنوات التي مرّت ليست ماءً يجري تحت الجسور فحسب، بل ذاكرةٌ ثقيلة، ووجوهٌ غابت، وأحلامٌ تعثّرت، وأسئلةٌ لم تجد أجوبتها بعد.لكنّ الشارع، حين يستعيد صوته، يذكّر الجميع بأنّ الحكاية لم تنتهِ لمجرّد أنّ الكاميرات غادرت، وأنّ المطالب لا تفقد مشروعيتها لأنّ أصحابها تعبوا، وأنّ الوطن لا يُقاس بعدد السنوات التي مرّت على الاحتجاج، بل بمقدار ما تغيّر في حياة الناس، وبما إذا كان الفقير قد وجد كرامته، والشاب قد وجد مستقبله، والأم قد اطمأنّت إلى أنّ أبناءها لن يُقتلوا لأنهم حلموا ببلدٍ أفضل.إنّ لتشرين معنى يتجاوز الشعارات، وأبعد من صورةٍ تُرفع في ذكرى، وأعمق من دمعةٍ تلمع في عين أمّ.إنّ لتشرين معنى حين نتذكّر أنّ الإنسان ليس رقماً في سجلات الموت، ولا صوتاً انتخابياً يُستدعى ثم يُنسى، ولا جسداً يُطلب منه أن يصبر إلى الأبد.إنّ لتشرين معنى حين يصبح الاختلاف حقّاً، والعدالة واقعاً، والحرية مسؤولية، وحين يتعلّم الوطن أن يحمي أبناءه بدلاً من أن يتركهم يحمونه بأجسادهم.ولعلّ أقسى ما يمكن أن يحدث لتشرين ليس أن يختلف الناس في تفسيرها، بل أن تتحوّل إلى ذكرى جميلة في بلدٍ يواصل إنتاج الأسباب التي أشعلتها.
ولعلّ الوفاء الحقيقي لشهدائها ليس أن نرثيهم كلّ عام فحسب، بل أن نسأل أنفسنا، بوجعٍ لا يخدع نفسه: ماذا فعلنا بالأحلام التي تركوها أمانةً في أعناقنا؟ وهل صار العراق أقرب إلى ما خرجوا من أجله؟
في هذا اليوم، لا أريد لتشرين أن تكون بكاءً فقط، ولا نشيداً يمضي مع المساء.
أريدها سؤالاً مفتوحاً في ضمير البلاد، ومرآةً نقف أمامها بلا رتوش، وذاكرةً تمنعنا من التصالح مع القبح لمجرّد أنّنا اعتدنا رؤيته. أريدها أن تبقى ذلك الشاب الذي يرفع صوته في وجه اليأس، وتلك الأم التي ترفض أن يكون موت ابنها خبراً عابراً، وذلك العراقي الذي، على الرغم من كلّ ما خسر، ما زال يؤمن أنّ هذه البلاد تستحقّ حياةً أخرى.
سلامٌ على تشرين، لا لأنّه مضى، بل لأنّ بعض ما فيه لم يمضِ.سلامٌ على الذين عادوا إلى بيوتهم يحملون الخيبة، وعلى الذين لم يعودوا، وعلى الذين ما زالوا يفتّشون عن وطنٍ يشبه أحلامهم الأولى.سلامٌ على الساحات حين كانت تتّسع للعراق كلّه، وعلى الأرصفة التي حفظت وقع الأقدام، وعلى الأصوات التي ارتجفت ولم تصمت.وسلامٌ على العراق، يوم يتعلّم أخيراً أن يصغي إلى أبنائه، لا بعد أن يفقدهم، بل قبل أن يضطرّوا إلى الصراخ. إنَّ لتشرين معنى…أن لا يصبح الموت عادة، ولا الخوف قدراً، ولا الفساد مصيراً، ولا اليأس هويةً لشعبٍ كامل.
اختصار سلطة
أن يبقى الوطن أكبر من الذين يتنازعون عليه، وأغلى من الذين يتاجرون باسمه، وأوسع من أن يُختصر في سلطةٍ أو حزبٍ أو طائفة.أن نتذكّر أنّ الشهداء لا يحتاجون منّا إلى كلماتٍ أعلى من أصواتهم، بل إلى حياةٍ تليق بالأسباب التي خرجوا من أجلها.
وأن نفهم، نحن الذين بقينا، أنّ تشرين لم تكن نهاية حكاية، بل بداية سؤالٍ لن يسقط بالتقادم:—أيُّ عراقٍ نريد أن نتركه لأبنائنا؟
ذلك هو تشرين.ليس ما حدث في الماضي فحسب، بل ما ينبغي ألّا نسمح له أن يُنسى في الحاضر.
وليس موسماً للبكاء على وطنٍ ضاع، بل امتحاناً مستمرّاً لقدرتنا على استعادته.إنَّ لتشرين معنى… ما دام في العراق قلبٌ ينبض، وحلمٌ يقاوم، وإنسانٌ يرفض أن يتعلّم الصمت.