الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بناء السردية الإعلامية: من نقل الأحداث إلى صناعة المعنى


بناء السردية الإعلامية: من نقل الأحداث إلى صناعة المعنى

خالد العزي

 

لم يعد الإعلام المعاصر مجرد وسيلة لنقل الأخبار والوقائع إلى الجمهور، بل أصبح مجالًا لإنتاج المعاني وتشكيل التصورات وتفسير الأحداث ضمن سياقات سياسية واجتماعية وثقافية متداخلة. فالحدث لا يصل إلى المتلقي دائمًا في صورته المجردة، وإنما يُقدَّم من خلال عملية اتصالية تتضمن اختيار المعلومات، وترتيب الوقائع، وتحديد زوايا المعالجة، وتوظيف اللغة والصور والرموز. و تبرز السردية الإعلامية بوصفها إطارًا ينظّم الأحداث ويربط بينها، وينقلها من مجرد وقائع متفرقة إلى رواية متماسكة تساعد الجمهور على فهمها وتفسيرها وتكوين مواقف بشأنها.

تُعرَّف السردية الإعلامية بأنها الطريقة التي تُنظَّم بها الأحداث والوقائع وتُربط ضمن تسلسل زمني أو منطقي، بما يتيح تقديم تفسير معين لها. وهي لا تقتصر على وصف ما حدث، بل تشمل اختيار العناصر التي تحظى بالاهتمام، وإبراز العلاقات بين الأسباب والنتائج، وتحديد السياق الذي تُعرض فيه الوقائع. وبذلك، فإن الانتقال من نقل الأحداث إلى صناعة المعنى لا يعني بالضرورة تغيير الحقائق، بل يتعلق بالطريقة التي تُختار بها المعلومات وتُرتَّب وتُفسَّر ضمن رواية إعلامية متكاملة.

وتنبع أهمية السردية الإعلامية من قدرتها على تحويل المعلومات المتفرقة إلى بنية تفسيرية مترابطة، تساعد الجمهور على استيعاب القضايا المعقدة وفهم أبعادها المختلفة. فالمتلقي لا يتعامل مع الأخبار بمعزل عن طريقة عرضها، بل يتأثر بترتيب المعلومات، وطبيعة العناوين، والمفردات المستخدمة، والمساحة الممنوحة لكل طرف. ومن ثم، تؤدي السردية دورًا في تحديد الجوانب التي تبدو أكثر أهمية في الحدث، وفي توجيه الانتباه نحو أسباب أو نتائج معينة، الأمر الذي يجعلها عنصرًا مؤثرًا في تشكيل الصور الذهنية والتصورات العامة.

وتتجلى أهمية السردية بصورة خاصة في الإعلام السياسي والدبلوماسي، حيث لا تقتصر المنافسة بين الدول والفاعلين السياسيين على امتلاك الموارد أو اتخاذ القرارات، بل تمتد إلى القدرة على تفسير المواقف وتقديمها للرأي العام المحلي والدولي. فالدول تسعى إلى بناء روايات تشرح سياساتها وتبرز أهدافها ومبرراتها، وتعرض تحركاتها ضمن سياق ينسجم مع مصالحها وتصوراتها عن الأمن والاستقرار. وفي المقابل، قد تعمل أطراف أخرى على تقديم روايات مغايرة تنتقد هذه السياسات أو تشكك في مبرراتها. وهكذا، تصبح السردية مجالًا للتنافس على تفسير الأحداث وتحديد المسؤوليات وإضفاء الشرعية على المواقف والقرارات.

ويقوم بناء السردية الإعلامية على مجموعة من العناصر المترابطة. تبدأ العملية باختيار الحدث أو القضية وتحديد الوقائع الأساسية المرتبطة بها، ثم تحديد زاوية المعالجة التي ستوجّه تقديم الموضوع، سواء أكانت سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية أم إنسانية. ويؤثر هذا الاختيار في المعلومات التي تُبرز والجوانب التي تتراجع إلى الخلفية، ولذلك يُعدّ تحديد زاوية المعالجة خطوة أساسية في تشكيل المعنى الإعلامي.

وتلي ذلك مرحلة تنظيم الوقائع وربطها ضمن سياق واضح، من خلال ترتيب الأحداث زمنيًا أو منطقيًا، وتفسير العلاقات بين أسبابها ونتائجها. كما يتطلب بناء السردية تحديد الفاعلين الرئيسيين، وبيان أدوارهم ومواقفهم ومصالحهم، مع مراعاة تعدد الأطراف واختلاف وجهات النظر. ويساعد تقديم الخلفيات التاريخية والسياسية والاجتماعية على تفسير تطورات الحدث، بدل الاكتفاء بعرض مظاهره المباشرة أو اختزاله في موقف طرف واحد.

وتؤدي اللغة والصور والعناوين والرموز دورًا محوريًا في هذه العملية. فاختيار مصطلح معين لوصف حدث سياسي قد يمنحه دلالة تختلف عن تلك التي ينتجها استخدام مصطلح آخر، كما أن انتقاء الصور والمشاهد والاقتباسات قد يسلط الضوء على جانب معين من القضية. ولا يقتصر الأمر على المحتوى اللفظي، بل يشمل أيضًا ترتيب المواد الإعلامية، وتكرار بعض الرسائل، وتحديد مساحة التغطية المخصصة لكل موضوع. وتتكامل هذه العناصر في تقديم رواية تؤثر في كيفية إدراك الجمهور للحدث، من دون أن يعني ذلك أن تأثيرها يكون متطابقًا لدى جميع المتلقين.

ويتضح أثر بناء السردية عند تناول القضايا الدولية والأزمات السياسية. فعلى سبيل المثال، يمكن تقديم العقوبات الاقتصادية المفروضة على دولة ما ضمن سردية تركز على الأمن الدولي ومبررات الضغط السياسي وأهدافه الاستراتيجية. وفي المقابل، يمكن تناول القضية نفسها من خلال التركيز على آثار العقوبات في الاقتصاد المحلي ومعيشة السكان، وما قد يترتب عليها من ارتفاع تكاليف الحياة وتراجع فرص العمل والاستثمار. ويكشف هذا المثال أن اختلاف زاوية المعالجة وترتيب المعلومات قد يؤدي إلى بناء معانٍ مختلفة حول الحدث نفسه. غير أن تقييم هذه السرديات يتطلب التحقق من الوقائع والأدلة، وفحص مصداقية المصادر، والنظر في مدى شمول المعالجة للجوانب الأساسية للقضية.

وترتبط السردية الإعلامية بتشكيل الرأي العام من خلال إسهامها في تحديد كيفية فهم القضايا وتفسيرها. فقد يؤدي تكرار رواية معينة وإبراز عناصرها إلى ترسيخ إطار محدد لفهم الأحداث، خصوصًا عندما تتراجع الروايات البديلة أو يصعب الوصول إلى معلومات مستقلة. ومع ذلك، لا يُعدّ الجمهور متلقيًا سلبيًا بالضرورة؛ إذ تتفاوت استجاباته بحسب خبراته السابقة، ومستوى معرفته، ومصادر معلوماته، ومرجعياته الاجتماعية والسياسية. لذلك، يتوقف تأثير السردية على تفاعل الرسائل الإعلامية مع خصائص الجمهور والبيئة الاتصالية المحيطة به.

و تبرز المسؤولية المهنية والأخلاقية للمؤسسات الإعلامية في بناء سرديات تستند إلى معلومات دقيقة ومصادر موثوقة، وتفصل بين الوقائع المثبتة والتحليلات والآراء والتوقعات. فانتقاء المعلومات لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإخفاء الحقائق الجوهرية أو تضليل الجمهور، كما أن اختلاف زوايا المعالجة لا يبرر تجاهل السياقات الضرورية لفهم الحدث. وتقتضي الممارسة الإعلامية المسؤولة إتاحة المجال أمام تعدد وجهات النظر، والتحقق من الادعاءات، وتقديم المعلومات بصورة تساعد المتلقي على التمييز بين الخبر وتفسيره.

إن بناء السردية الإعلامية يمثل عملية تتجاوز نقل الأحداث إلى تنظيمها وتأطيرها وتفسيرها ضمن سياق ينتج معنى لدى الجمهور. وتكمن قيمتها في قدرتها على تحويل الوقائع إلى معرفة مفهومة، وربط الأحداث بخلفياتها ونتائجها، والمساهمة في تشكيل التصورات العامة. غير أن نجاحها لا يُقاس بقدرتها على فرض رواية واحدة، بل بمدى دقتها وشفافيتها وتوازنها، وقدرتها على تعزيز فهم الجمهور للأحداث وتمكينه من تقييم التفسيرات المختلفة بصورة نقدية ومستقلة.


مشاهدات 183
الكاتب خالد العزي
أضيف 2026/10/26 - 2:41 PM
آخر تحديث 2026/10/28 - 2:10 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 232 الشهر 56059 الكلي 16641228
الوقت الآن
الأربعاء 2026/10/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير