حياة بين النفايات
محمد المفتي
دخل السيد حسن مكتبه الأنيق في دائرة حماية البيئة في العاصمة أوسلو.
وبعد لحظات، لحق به زميله النرويجي إستيّان، والقى عليه تحية الإسلام التي دربه عليها طويلًا:
- السلام عليكم.
كان حسن كثير الحديث عن الإسلام وعن العراق كبلد إسلامي ، وعن نظافة الفكر والجسد في تعاليم الدين.
ردّ حسن – وعليكم السلام. مع ابتسامة عريضة. جلس إستيّان خلف مكتبه، وارتشف من قهوته، ثم فتح تقريرًا رسميًا عن أحدث التقنيات الغربية في طمر النفايات الكيميائية تحت قاع البحر.
كانا يتناقشان في جدوى هذه التقنيات، حين سأل حسن إن كان إخفاء النفايات في أعماق البحر يُعدّ حلًا ذكيًا أم جريمة بيئية مؤجلة.
في تلك اللحظة، ظهرت على شاشة حاسوبه نافذة لمقطع فيديو أرسله أحد معارفه. ضغط عليها، فظهر قطار يشق طريقه ببطء بين بغداد والبصرة: أكوام من النفايات والحديد الصدئ و أكياس النايلون، أحد أصعب أعداء البيئة تمتد على جانبي السكة، كأن الأرض تحولت إلى مكبّ مفتوح لا نهاية له.
أشار حسن إلى الشاشة وقال بأسى:
- تعال.. تعال وانظر إلى هذا التلوث! تخيّل كمّ الأمراض التي تخفيها أرضنا
نهض إستيّان من خلف مكتبه، ووقف إلى جواره، عاقدًا يديه خلف ظهره. حدّق في الشاشة بعينين متسعتين، ثم قال بعد لحظة صمت:
– لماذا أنتم… المسلمون؟
توقفت يد حسن فوق لوحة المفاتيح.
أدرك استيان فداحة سؤاله. سعل سُعلة خفيفة، وحاول تدارك الموقف
- عذرًا، أقصد… لماذا أنتم العراقيون متصالحون إلى هذا الحد مع النفايات؟
شعر حسن بحرارة تصعد إلى وجهه. أراد أن يردّ بعبارة تُخرس زميله، وأن يذكّره بأن الدول التي تتحدث عن النظافة تدفن نفاياتها السامة في أعماق البحار.
إلا أن مشهدا في الشاشة قتل كلماته على شفتيه
شاهد جدارا بمحاذاة السكة، ظهر ملصق انتخابي كبير لحقه ملصق ثاني وثالث.. تزاحمت وجوه السياسيين أمامه وتذكر العقود الماضية من حياة العراقيين. ابتلع غصّته، ثم التفت إلى إستيّان بابتسامة باردة وقال:
– لأننا، يا صديقي، اعتدنا أن نتنفس النفايات السياسية قبل أن نتعلّم كيف نتخلّص من النفايات البلاستيكية. ومن يتعايش عقودًا مع النفايات البشرية في قمة السلطة، لن تزعجه بضعة أطنان من البلاستيك على جانبي السكة.