الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
لماذا الوقوف في طوابير الوقود ؟

← بواسطة azzaman

صاحب خامس أكبر إحتياطي نفطي

لماذا الوقوف في طوابير الوقود ؟

نبيل رحيم العبادي

 

المفارقة التي لا يستطيع أي اقتصادي أن يمر عليها دون أن يتوقف طويلا هي أن العراق يملك خامس أكبر احتياطي مؤكد في العالم، ويملك كوادر بشرية عراقية أثبتت جدارتها في كل دول العالم، ويملك خبرة تراكمت منذ عشرينيات القرن الماضي حين بدأ التنقيب في عهد شركة النفط العراقية، ومع كل هذا يظل المواطن يقف في طوابير الوقود كلما هبت أزمة إقليمية أو تعطلت شاحنة على طريق سريع. هذا التناقض الصارخ ليس مجرد خلل فني في مصفاة قديمة، بل هو فشل اقتصادي مركب يستحق تشريحا هادئا بعيدا عن الشعارات.

 من الناحية الاقتصادية الصرفة، يعيش العراق ما يسميه الاقتصاديون لعنة الريع، وهي حالة يكون فيها مصدر دخل واحد مهيمنا على الاقتصاد كله، فيتحول هذا المصدر من نعمة إلى قيد. فالعراق يصدر الخام الخفيف بأسعار دولية متواضعة نسبيا، ثم يستورد المشتقات المكررة بأسعار أعلى، أي أنه يدفع فرق التكرير مرتين، مرة حين يبيع الخام دون قيمة مضافة، ومرة حين يشتري المنتج النهائي من الخارج. ولو كان هذا الفارق يذهب إلى بناء مصاف حديثة لكان مقبولا، لكنه يذهب إلى فواتير استيراد متكررة لا تبني شيئا دائما. وهنا تكمن الحماقة الاقتصادية، أن دولة تملك المادة الخام وتحتاج المنتج النهائي، تقف عاجزة في المنتصف بين الاثنين.

 المشكلة إذن ليست في نقص الخام ولا في نقص الكوادر، بل في بنية قطاع التكرير التي ظلت لعقود أسيرة إدارة حكومية مركزية تفتقر إلى الاستثمار النوعي في الوحدات المتقدمة. فمعظم المصافي العراقية تعمل بوحدات تكسير بسيطة لا تنتج بنزينا عالي الأوكتان ولا زيت غاز مطابقا للمعايير، مما يدفع الدولة إلى استيراد ما ينقصها من الخارج كلما ارتفع الطلب. وحين ارتفع الاستهلاك المحلي مع نمو السكان واتساع الطبقة الوسطى، لم يعد الإنتاج المحلي قادرا على مجاراة الطلب، فعادت الطوابير وارتفعت الفاتورة.  الحل الجذري الذي أطرحه ليس بناء مصاف جديدة بالطريقة التقليدية البطيئة التي تستهلك مليارات الدولارات وتستغرق سنوات دون ضمان للكفاءة التشغيلية، بل في تغيير فلسفة التعامل مع الشركات الأجنبية العاملة أصلا في حقول العراق. فبدلا من حصر دورها في الاستخراج والتصدير، يمكن منحها إطارا واضحا للاستثمار في التكرير والبيع داخل السوق المحلية عبر محطات معتمدة، فتتحول من مجرد مستخرجة للخام إلى شريك في سلسلة القيمة المضافة كاملة. وهذا النموذج ليس خيالا نظريا، بل طبق في دول عدة ونجح بدرجات متفاوتة.

درس بالغ

 تجربة مصفاة نيسون في فيتنام تقدم درسا بالغ الدلالة، إذ جمعت بين شركة بتروفيتنام الوطنية وشركة النفط الدولية الكويتية وشركتين يابانيتين في مشروع استثماري بلغ نحو تسعة مليارات دولار، ومنحت الدولة المستثمرين الأجانب امتيازات ضريبية وتسهيلات تنظيمية مقابل ضمان شراء المنتجات وتوطين الخبرات، فتحولت فيتنام من مستورد للوقود إلى مصدر في غضون سنوات. وفي أمريكا اللاتينية، أقامت كوستاريكا شراكة مع شركة النفط الوطنية الصينية لتحديث وتوسيع مصفاة موين، حيث تولى الشريك الأجنبي التمويل والتقنية مقابل حصة في الإنتاج والتسويق. وحتى في المنطقة العربية، لا يزال نموذج مصفاة سامرف في ينبع قائما منذ عام ألف وتسعمائة وأربعة وثمانين كشراكة مناصفة بين أرامكو وإكسون موبيل، وأنتج طاقة تكريرية هائلة عززت مكانة السعودية في الأسواق العالمية. هذه النماذج تشترك في عنصر جوهري واحد وهو أن الشركة الأجنبية لم تترك تعمل في فراغ تشريعي، بل أدخلت في إطار تعاقدي يحدد حقوقها وواجباتها، ويمنحها حافزا حقيقيا لتحسين الكفاءة وتقليل الهدر، لأن أرباحها مرتبطة مباشرة بجودة المنتج وحجم المبيعات في السوق المحلية.

 وفي الحالة العراقية، ثمة مؤشرات أولية على أن هذا المسار بدأ يلوح في الأفق. فقد أعلنت شركة شيفرون الأمريكية استعدادها للتعاون مع وزارة النفط في تطوير حقل الناصرية وبناء مصفاة بطاقة مئة وخمسين ألف برميل يوميا، في خطوة وصفتها الوزارة بأنها تندرج ضمن استراتيجية جذب الشركات العالمية الكبرى. كما وقعت شركة هالو الهندسية الصينية اتفاقا لتطوير مصفاة الفاو بطاقة ثلاثمائة ألف برميل يوميا مع مجمع بتروكيماوي متكامل. وهذه المشاريع، إن أحسن إدارتها، يمكن أن تشكل نواة لنموذج جديد يقوم على الشراكة الإنتاجية بدلا من الاستيراد الدائم.

 لكن نجاح هذا النموذج يتوقف على شرط سياسي غير قابل للتفاوض وهو استقلال قرار التكرير عن المحاصصة الحزبية والولاءات الضيقة التي أفسدت قطاعات حيوية كثيرة. فالتجربة النيجيرية، على سبيل المثال، أظهرت أن عروضا أجنبية لتشغيل المصافي رفضت في الماضي لأسباب تتعلق بالفساد وليس بالكفاءة الفنية، فظلت البلاد تدور في حلقة مفرغة من إعادة التأهيل الفاشلة التي استنزفت خمسة وعشرين مليار دولار بين عامي ألفين وعشرة وألفين وثلاثة وعشرين دون أن يتحسن الإنتاج. والعراق، للأسف، ليس بعيدا عن هذا الفخ، حيث تعطلت مشاريع استراتيجية كبرى لسنوات بسبب التنازع على الحصص والامتيازات.  البديل الجذري إذن يقوم على ثلاثة أعمدة مترابطة. الأول هو تعديل الإطار القانوني للعقود النفطية بحيث يسمح للشركات الأجنبية العاملة في الاستخراج بالاستثمار في وحدات التكرير الحديثة داخل الحقول نفسها أو في مصاف متخصصة قريبة، مع منحها حق البيع في محطات معتمدة تخضع لرقابة الدولة على الجودة والسعر. والثاني هو إنشاء هيئة مستقلة لتنظيم قطاع المشتقات تكون مهمتها تحديد معايير الجودة وضبط الأسعار وحماية المستهلك، بدلا من ترك السوق لتقلبات غير محسوبة. والثالث هو ربط أي عقد تكرير جديد بشرط توطين التقنية وتدريب الكوادر العراقية، حتى لا يتحول الاستثمار الأجنبي إلى شكل من أشكال الاستعمار الطاقي الجديد.

إن العراق الذي أعلن في أواخر عام ألفين وخمسة وعشرين توقفه عن استيراد البنزين وزيت الغاز بعد عقدين من الاعتماد على الخارج، يملك اليوم فرصة نادرة لترسيخ هذا التحول وتحويله من انتصار مؤقت إلى نظام دائم. لكن الاكتفاء الذاتي الهش الذي سرعان ما اهتز مع أول أزمة إقليمية، كما حدث في البصرة حين عادت الطوابير رغم قرار إيقاف الاستيراد، يثبت أن الاعتماد على المصافي الحكومية وحدها لا يكفي.

الحاجة ملحة إلى إدخال فاعلين جدد يمتلكون التقنية ورأس المال والخبرة التسويقية، لا لتحل محل الدولة، بل لتكمل دورها في منظومة تكرير وتوزيع عصرية.

 وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحا. لماذا تتردد بغداد في فتح هذا الباب على مصراعيه رغم وضوح الفوائد الاقتصادية. الجواب غالبا ليس فنيا بل سياسيا. فكل قرار يمس قطاع المشتقات يهدد شبكات مصالح ونفوذ تراكمت عبر سنوات من اقتصاد الريع. لكن استمرار الوضع الحالي يعني استمرار نزيف المليارات وتراجع الثقة بالدولة وقدرتها على تأمين أبسط حقوق المواطن. والحل الجذري، في نهاية المطاف، ليس ترفا فكريا ولا وصفة مستوردة، بل ضرورة وجودية لبلد ينبغي أن يكون الأول في المنطقة إنتاجا وتكريرا، لا الأول في استيراد الوقود وطوابير الانتظار.

 


مشاهدات 24
الكاتب نبيل رحيم العبادي
أضيف 2026/10/04 - 2:43 PM
آخر تحديث 2026/10/05 - 12:45 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 58 الشهر 6898 الكلي 16592067
الوقت الآن
الإثنين 2026/10/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير