اللي ما يعرف تدابيره.. لماذا نعرف مشكلاتنا ولا نتمكن من حلها ؟
أسامة أبو شعير
في العراق يقولون: «اللي أكبر منك بيوم أعرف منك بسنة». وكان للمثل منطقه؛ فمن عاش أكثر رأى أكثر، ومن رأى أكثر عرف أكثر. أما اليوم فقد تغيّر الحال. طفل يحمل في هاتفه من المعرفة ما لم تجمعه مكتبة كاملة، والذكاء الاصطناعي يستطيع في ثوانٍ أن يخبرنا بما كان الباحث يحتاج أياماً للوصول إليه. صارت المعرفة أكثر، والمعلومة أسرع، والتقارير أطول. المعرفة موجودة، لكن بين المعرفة والنتيجة يبدو أن الخيط قد ضاع… وربما العصفور أيضاً!
فإذا كنا نعرف أكثر من أي وقت مضى، فلماذا لا نتحسن بالقدر نفسه؟ ولو كانت المعرفة وحدها تكفي، لكانت المؤسسات الأكثر إنتاجاً للتقارير هي الأفضل، والدول الأكثر تشكيلاً للجان هي الأسرع إصلاحاً. وربما احتجنا إلى مؤشر جديد للتنمية: عدد اللجان لكل ألف مواطن! لكن بعض مشكلاتنا نعرفها حتى الملل، ونشخصها حتى تكاد المشكلة نفسها تحفظ تشخيصها، ثم نعود في العام التالي فنجدها في مكانها تنتظرنا.
فساد ومصالح
ولو خرجنا إلى الشارع العراقي وسألنا: لماذا لا تتحسن الكهرباء والخدمات وفرص العمل؟ سنسمع سريعاً: الفساد، المصالح، سوء الإدارة، ضعف المحاسبة، وربما الجواب العراقي المختصر: «ماكو إرادة». وهذه ليست إجابات ساذجة. لكن إذا كنا نعرف هذه الأسباب أيضاً، فلماذا لم نستطع تغييرها؟ وإذا قلنا «ماكو إرادة»، فالسؤال الأعمق هو: ما الذي يجعل عدم التغيير أقل كلفة على صاحب القرار من التغيير؟ هنا ننتقل من تشخيص المشكلة إلى تشخيص النظام الذي يسمح لها بالاستمرار.
خذ الكهرباء. المواطن يعرف المشكلة لأنه يعيشها، والمهندس لأنه يعمل فيها، والوزارة لأنها تديرها، والحكومة لأنها تخطط وتنفق عليها. فإذا كان الجميع يعرف المشكلة، فمن الذي ننتظر أن يكتشفها؟ العراقي لا يحتاج إلى مؤتمر ليعرف أن الكهرباء تنقطع، ولا إلى لجنة لتخبره أن الصيف حار. وبعد سنوات من الخطط والمشروعات والإنفاق، يبقى السؤال: لماذا ظل التحسن دون مستوى الحاجة؟ ولو كانت معرفة المشكلة تكفي لحلها، لأضاءت المعرفة وحدها بيوت العراقيين منذ زمن.
ربما لأننا نسأل: ما المشكلة؟ بدلاً من: ما الذي يمنع حلها؟ هل القيد في التوليد، أم الوقود، أم النقل والتوزيع، أم الجباية، أم الإدارة والحوكمة، أم الحوافز والمصالح، أم تفاعلها جميعاً؟ وإذا كان الجواب «الفساد»، فالسؤال لا ينتهي بل يبدأ: ما الذي يسمح له بالاستمرار؟ فإعطاء المشكلة اسماً لا يعني أننا فسرناها، وتكرار الاسم لا يجعلنا أقرب إلى حلها. وفي الدولة، بخلاف المؤسسة الواحدة، قد تتوزع المسؤولية وتتعارض المصالح حتى يصبح تغيير المسار أصعب من معرفة ضرورته.
وهذا ما تعلمته من عملي في التفتيش وضمان الجودة. عندما أرى نتيجة ضعيفة، لا يكفي أن أبحث عما يؤيد تفسيري؛ بل أسأل: ما أقوى دليل يمكن أن يثبت أنني مخطئ؟ ماذا لو فعلت مؤسساتنا الشيء نفسه؟ بدلاً من السؤال: ما الأرقام التي تثبت نجاح خطتنا؟ نسأل: ما أقوى دليل يقول إنها لم تنجح؟ وفي التعليم مثلاً، قد تضيق فجوة الأداء بين مجموعتين فنقرأ ذلك سريعاً بوصفه تحسناً في العدالة، لكنها ربما ضاقت لأن المتفوقين تراجعوا بينما لم يتحسن الأضعف. لقد تحسن المؤشر، ولم يتحسن الطالب. الرقم لم يكذب؛ نحن فقط سألناه السؤال الخطأ، ثم هنأناه على الإجابة.
والأمر نفسه في الاقتصاد. نحن نعرف البطالة والاعتماد على النفط وتضخم الجهاز الحكومي وضعف القطاع المنتج. ولو كان تكرار التشخيص علاجاً، لكانت أمراضنا الاقتصادية من أكثر الأمراض حظاً في الرعاية. لذلك كتبت سابقاً عن الانتقال من دولة توزّع الوظائف إلى دولة تصنع العمل. فالدولة لا تصبح أقوى بعدد الرواتب التي تستطيع دفعها فقط، بل بالفرص والقدرات التي يستطيع اقتصادها خلقها. والسؤال عن كل دينار ليس فقط: أين ذهب؟ بل: ماذا بنى؟
وهنا نصل إلى ما أسميته «الاستقرار السلبي»: أن يدير النظام المشكلة بما يكفي لكي لا ينهار، لكنه لا يحلها بما يكفي لكي تختفي. تنقطع الكهرباء فيظهر البديل، تقل الوظائف فينتظر الخريج التعيين، تتعطل الخدمة فيجد المواطن طريقاً آخر، وتمضي الحياة. لكن المفارقة أن نجاحنا في التعايش مع المشكلة قد يصبح أحد أسباب بقائها. يمر الصيف ويأتي آخر، وتعود الوعود ذاتها بملابس جديدة.
لكن ماذا إذا وُضعت الخطة وفشلت، ثم عادت الفكرة نفسها باسم جديد وفشلت مرة أخرى؟ هنا لا يعود السؤال: هل تستطيع المؤسسة أن تتعلم؟ بل: من يحاسبها إذا رفضت أن تتعلم؟ فالخطأ جزء من العمل، لكن تكرار النهج بعد أن تكشف الأدلة ضعفه، ثم رفض التصحيح، ينقل المشكلة من التعلم إلى الحوكمة والمساءلة. فـالمؤسسة المتعلمة ليست التي لا تخطئ، بل التي لا تضطر إلى حماية خطئها كي تحمي صورتها.
وكسر الحلقة قد يبدأ بجملة يصعب على المؤسسات قولها: كنا مخطئين. جربنا هذا الحل ولم ينجح؛ وهذا هو الدليل، ولذلك سنغيره. لكن التعلم يحتاج إلى مساءلة حقيقية. فإذا عجزت القيادة عن تغيير القرار بعد ثبوت ضعفه، أو رفضت تغييره، فلا ينبغي أن يصبح بقاؤها أهم من قدرة المؤسسة على التحسن. فإذا تعذر، بعد تكرر الفشل، تغيير القرار، يصبح السؤال مشروعاً عن تغيير من يصنع القرار.
وهذا يقود إلى ما أسميه «التنوير المؤسسي»: ليس امتلاك معلومات أكثر، بل قدرة المؤسسة على اختبار ما تعتقد أنه صحيح، والبحث عن الدليل الذي قد يثبت العكس، ثم تغيير ما تفعله عندما يخبرها الواقع بأنها أخطأت. ويمكن اختزاله في خمسة أسئلة: هل نعرف؟ هل نستطيع؟ هل نريد؟ هل نعرف أننا قد نكون مخطئين؟ ومن يستطيع تغيير المسار عندما نخطئ؟
ومع الذكاء الاصطناعي ستزداد المعلومات وتصبح التحليلات أسرع، لكن كثرة الإجابات لا تعني زيادة الحكمة. يمكن أن نستخدم أحدث التقنيات لإثبات أفكارنا القديمة، أو نطلب منها البحث عما قد يثبت أننا مخطئين ومقارنة التفسيرات وكشف ما أغفلناه. فالآلة تساعدنا في اختبار التفكير، لكنها لا تحل محل الحكم والمسؤولية البشرية.
من يحكم افضل ؟
بدأنا بمثل عراقي يقول: «اللي أكبر منك بيوم أعرف منك بسنة». أما اليوم فقد تعرف الآلة في دقيقة ما لا نعرفه في سنة. لذلك لم يعد السؤال: من يعرف أكثر؟ بل من يحكم أفضل بما يعرف؟ وإذا كنا نعرف المشكلة ونعرف كثيراً من أسبابها، فما الذي يمنعنا من تغييرها؟
فالمشكلة ليست دائماً في قلة المعلومات أو الخطط أو الموارد، بل في التدبير: كيف نستخدم ما نملك، وكيف نعرف أن ما نفعله لا يعمل، وكيف نغيّره قبل أن ندفع ثمنه مرة أخرى. فالخطأ لا يفشل المؤسسة؛ ما يفشلها أن تعرف أنها أخطأت ثم تسمح للخطأ بأن يستمر.
ولعل العراقي اختصر كل هذه اللغة عن المعرفة والتعلم والحوكمة والمساءلة منذ زمن حين قال:
«اللي ما يعرف تدابيره، حنطته تاكل شعيره».
□ خبير اقتصادي ومستشار دولي في التعليم والتنمية