على من العتب ؟
قاسم حسين صالح
في الأمسية التي اقامها اتحاد الأدباء ليلة البارحة ( واحد تشرين 2026) عن مئوية ( السياب ، والبياتي ، وبلند الحيدري) كنت قد اعددت مقالة عن بلند بصفتي كنت صديقا له واعرف عنه حكايات، وجاء الأعتذار بأن البرنامج قد تم اقراره. وكنت قد حضرت المناسبة فوجدت ، ان ما قدم عن بلند ما كان يفيه حقه ، ووجدت ايضا ان العلاقات الشخصية تلعب دورها حتى في مثل هكذا مناسبات، وان هناك من يريد ان يكون الوحيد تحت الأضواء .
ووفاءا لبلند ، اوجز هنا ما يعد توثيقا لمشاهد من حياته التي تصلح لفلم سينمائي كنت قد ابديت استعدادي لكتابته ( سيناريو وحوار ) ،لخبرتي في تحويل مئات القصص الحقيقية الى دراما اذاعية عبر برنامج ( حذار من اليأس) الذي يعد أبرز برنامج درامي اذاعي عراقيا وعربيا.
من مفارقات الشاعر بلند انه:
· مبدع في كتابة الشعر العربي مع انه كوردي الاصل(بلند بالكردي..يعني شامخ!) . والده ضابط في الجيش العراقي ،ووالدته.. فاطمة بنت إبراهيم أفندي الحيدري الذي شغل منصب شيخ العرب في إستانبول!
· انفرد في زمانه انه كان وجوديا متمردا ، فنصب خيمة سوداء في بساتين بعقوبة الخضراء! وتعرف على صديقنا الشاعر المتمرد (حسين مردان) .
· ورغم أنه من عائلة ارستقراطية ،فان من عائلته..السياسي الشيوعي المعروف جمال الحيدري الذي قتله البعثيون في انقلابهم عام 63.
· حياة بلند تنفرد باحداث درامية صنعت منه شاعرا يمتاز عن كل الشعراء العراقيين. فقد انفصل والداه عام 1940،وهو بعمر الرابعة عشرة ، وتوفيت والدته..حبيبته عام 1942 ،لينتقل الى بيت جدة والده..وفيه حاول الآنتحا ر لقوانينها الصارمة . وترك الدراسة قبل ان يكمل المتوسطة في ثانوية التفيض..ليبدأ حياة تشّرد وتسكع وصعلكة! وهو بمرحلة المراهقة،
· وليفتتح عشرينياته بوفاة والده الذي حرم ومنع من المشاركة في تشييع جنازته!..فنام تحت جسور بغداد لياليا..واشتغل (عرضحالجي) امام وزارة العدل التي يرأسها خاله (داوود الحيدري)!. وقد كتب هو قبل دخوله المستشفى بساعات:
· ( كان المنفى قائماً في داخلي منذ أن وعيت نفسي كائناً شعرياُ وكائناً سياسياً في آن واحد.. والغربة بهذا المعنى، كانت في داخلي، غربتي عن عائلتي البرجوازية المتشبثة بالحكم البائد، مما دفعني – يومذاك – بالهرب من داري في قصر العائلة لأتشرد في شوارع بغداد، وأنام على أرصفتها بصحبة الشاعر حسين مردان.. ولكي أجسد ثورتي الحقيقية على عائلتي البرجوازية.
· عاش حياة التشرّد والصعلكة والأغتراب الذي تجسد عنده في اقسى حالاته: من انا؟ وهل لوجودي في الحياة..معنى؟!
· وبرغم تشرده كان حريصا على تثقيف نفسه ، فكان يذهب إلى المكتبة العامة ليبقى فيها حتى ساعات متأخرة من الليل بعد أن صادق حارس المكتبة الذي سمح له بالبقاء بعد إقفالها.. فدرس الأدب العربي والنقد والتراث وعلم النفس، وتبنى الوجودية لفترة ثم الماركسية،
· سجن وعذّب وغادر الى بيروت ومنها الى لندن ثم الى بيروت زمن الحرب الأهلية التي كتب عنها أمين المعلوف كتابه (الهويات القاتلة) ليعود لبغداد بدعوة من الشاعر شفيق الكمالي الذي اسس مجلة آفاق عربية ) عام 1979.. ومنها بدأت علاقتي بـ(بلند).
كنت نشرت في العام 1979 مقالا في مجلة آفاق عربية ، وكان يومها قد خصه شفيق الكمالي بمسؤولية ادارة المجلة وكاتبا فيها. وكنت خارجا من المجلة في الطريق الذي يؤدي الى بلند ..فنهض وقال:
• حضرتك مو استاذ قاسم؟
اجبته: سعيد جدا ان يعرفني بلند الحيدري!
وجلست ،وابدى لي اعجابه بمقالتي في المجلة التي كانت بعنوان ( الأبداع الفني عند الفرويدية والسريالية).
تطورت العلاقة الى صداقة ،ودعاني لسهرة ليلية..وكنت حصلت على احد دواوينه الشعرية ..وفيه لفت انتباهي ان الكثير من قصائده كانت عن المرأة البغي..فسألته:
• هل جربتهن؟ ومن دلك عليهن؟
فاجاب مبتسما : حسين مردان!
رسالة بلند لمظفر
كان بلند قد كتب رسالة الى مظفر قال له فيها:
يا مظفر لم اكن أعلم يوما أن حظي قد تعثّر
ضاع عمري في سجلات ودفتر
(ياحمد والريل فارغ..والكصب بردان حيل..ومستحي اهوايه تأخر
علمي لم يبق احمر
كان حلمي وسط تراب..وقناعاتي خيالا في سراب
كان للوهم يغني من جديد..لا وطن حر ولا شعب سعيد).
وعلى ايقاعه ..قلنا لمظفر:
يا مظفر..أصحيح ان شعبا انجبك،صار من احزاب تدّعي الأسلام..يقهر!
ولنا جيش يتامى وارامل،سرقوا خبزها اليومي وبنى منها معمم لأبيه ضريحا،
كان قد افتى ابوه..قتل من نادى..(وطن حر وشعب سعيد)!
أو تعلم يامظفر..أن شعبا كان من عهد جلجامش يوصف بالعنيد
صار من تغريدة ( هاوي ) بالسياسة، يهتفوله بالقداسة
ويبوسون ترابا قد مشى يوما عليه..وان كان نجاسه!
للأسف ..فان بلند الحيدري كان منسيا لعشرين سنة! من يوم وفاته في لندن ( 6 آب 1996 ، وعزاؤه ان يأتي هذا الأستذكار ولو بعد عشرين سنه ليبتسم لكم وهو في قبره بلندن.