الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العدد الثلاثون من مجلة دراسات الطفولة العربية


العدد الثلاثون من مجلة دراسات الطفولة العربية

ثلاثون شمعة في وجه العتمة

علي الدليمي

 

صدر العدد الثلاثون من مجلة «دراسات الطفولة العربية»، حاملاً معه مجموعة كبيرة من المقالات الثقافية والبحوث والدراسات التي تصب جميعها في عالم الطفولة، شؤونها وشجونها، أسئلتها الكبيرة وأحلامها الصغيرة.

ثلاثون عدداً ليس رقماً في سجل مطبوعات، بل مسافة قطعتها هيئة التحرير بخطى ثابتة في حقل قلّ من يجرؤ على الاقتراب منه بجدية، حقل الطفولة الذي يظنه البعض هامشاً للتسلية، وهو في الحقيقة أصل الحكاية كلها.واحتفلت هيئة التحرير بهذا الإنجاز بإصدار هذا العدد، احتفالاً له طعم المثابرة أكثر مما له طعم المناسبات.. فقد قطعت المجلة شوطاً كبيراً رغم انعدام الدعم المادي الرسمي، ورغم أن هذا النوع من المجلات المتخصصة لا يجد في سوق النشر العربي من يحتضنه إلا نادراً.

إنها مجلة تقف وحدها تقريباً في مواجهة منطق السوق الذي يفضل السريع والمستهلك على العميق والمؤسس، ومع ذلك استمرت، يقتصر دعمها على ما يقدمه مؤسسها وصاحب امتيازها أديب الأطفال جاسم محمد صالح، الذي بذل ويبذل جهوداً استثنائية من أجل ديمومة صدورها دون انقطاع، كمن يحمل شمعة في ريح، ويصر على أن تبقى مضاءة لأن هناك أطفالاً سيأتون بعد قليل ويحتاجون إلى بعض الضوء.

والحقيقة أن استمرار مجلة متخصصة في الطفولة لثلاثين عدداً في ظل هذه الظروف هو في حد ذاته موقف ثقافي.. فالطفولة في عالمنا العربي ما زالت تُعامل كموضوع إنشائي، لا كحقل معرفي، نكتب عن الطفل قصيدة أو قصة مناسبة، ثم نتركه يواجه مصيره وحده بين شاشة ومنهج مثقل وألعاب مستوردة لا تشبهه. بينما تأتي «دراسات الطفولة العربية» لتقول إن الطفولة علم، وإنها تحتاج إلى دراسات نفسية وتربوية ولغوية وجمالية واجتماعية، تحتاج إلى من يفكر فيها بجدية لا بعاطفة موسمية. ولهذا كان العدد الثلاثون ثرياً بتنوع مقالاته التي لا تكرر بعضها، بل تتكامل لتقدم صورة شاملة للطفل العربي بين البيت والمدرسة والشارع والكتاب والشاشة.

لغة رصينة

ان ما يميز المجلة منذ عددها الأول أنها لم تذهب إلى الطفولة بوصفها زبوناً، بل بوصفها قيمة.. لم تسعَ إلى تدليل الطفل بمنتج سهل، بل إلى احترام ذكائه، وهذا الاحترام يظهر في اختيار الباحثين والكتاب الذين يكتبون فيها، وفي اللغة الرصينة التي لا تهبط إلى الابتذال بدعوى التبسيط، ولا تعلو إلى التجريد الذي يطرد القارئ. هي لغة وسطى، عالمة لكنها إنسانية، دقيقة لكنها دافئة، تشبه تماماً اللغة التي يجب أن نخاطب بها الطفل: أن نرفعه إلينا لا أن ننزل إليه.

وجاسم محمد صالح، الذي يقف وحده تقريباً خلف هذا المشروع، ليس مجرد ناشر يمول مطبوعة، بل أديب أطفال يعرف أن الكتاب للطفل ليس ترفاً، وأن المجلة المتخصصة ليست ملحقاً، بل أساس.. هو من ذلك الجيل الذي آمن بأن أدب الأطفال ليس أدباً صغيراً، بل هو الأدب الكبير حين يُكتب بصدق.

ولذلك كان إصراره على الاستمرار ليس عناداً شخصياً، بل وفاء لفكرة أن تبقى مجلة عربية للطفولة تصدر بانتظام، أن تبقى منبراً للباحثين العرب في هذا الميدان، أن تبقى مرجعاً للمربي والمعلم والكاتب والرسام، أن تبقى أرشيفاً يكبر مع الوقت. وكل عدد يصدر هو انتصار صغير على فكرة أن الثقافة الجادة لا يمكنها أن تستمر دون مؤسسة ضخمة خلفها بل يمكنها، إذا كان خلفها قلب واحد مؤمن.

في العدد الثلاثين نقرأ مقالات تتناول التربية الجمالية للطفل، وأثر الحكاية الشعبية في تشكيل خياله، وعلاقة الطفل باللغة العربية في زمن اللهجات الرقمية، وصورة الطفل في المناهج، وقضايا العنف الرمزي الذي يمارس عليه دون أن نشعر، وأدب اليافعين الذي أصبح فجوة بين طفولة لا تريد أن تكبر ومراهقة لا تجد من يفهمها.

نقرأ دراسات ميدانية ومراجعات كتب وقراءات في تجارب عربية وعالمية، وكلها تصب في سؤال واحد: كيف نصنع طفولة عربية لا تخجل من نفسها ولا تنكر عالمها؟والأهم أن المجلة لم تتحول إلى منبر نخبوي مغلق، بل ظلت مفتوحة للباحث الشاب وللكاتب المبتدئ وللمعلم في مدرسة نائية يكتب ملاحظاته عن تلاميذه.. هذا الانفتاح هو ما يمنحها شرعيتها، فالطفولة ليست حكراً على الأكاديمية، بل هي خبرة يومية يعيشها الجميع، والمجلة الذكية هي التي تجمع بين صرامة البحث ودفء التجربة.

ثلاثون عدداً يعني ثلاثين مرة قال فيها فريق صغير: سنصدر رغم كل شيء، ثلاثين مرة تم فيها جمع المقالات وتدقيقها وتصميمها وطباعتها وتوزيعها بجهد ذاتي يكاد يكون تطوعياً.

جهة رسمية

ثلاثون مرة انتصر فيها المعنى على الكلفة، والفكرة على الإحباط.. ولو كانت هناك جهة رسمية تحترم نفسها، لكان هذا الإنجاز مناسبة لتكريم المجلة ودعمها، لا تركها وحدها، فالمجلات التي تعنى بالطفولة هي استثمار في المستقبل، ليست عبئاً على الحاضر، كل دينار يوضع فيها يعود بعد عشرين سنة على شكل إنسان سوي، قارئ، منتج، لا يخرب ولا يكره نفسه.

لكن حتى دون دعم، فإن صدور العدد الثلاثين يبعث برسالة طمأنة، ما زال هناك من يؤمن بأن الطفل يستحق مجلة تفكر فيه، وما زال هناك كتاب وباحثون يكتبون عنه بلا مقابل مجزٍ، وما زال هناك قارئ ينتظر العدد الجديد ليسأل: ماذا كتبتم هذه المرة عن أولادي؟إن الاحتفاء بالعدد الثلاثين لا يجب أن يكون احتفاء داخلياً لهيئة التحرير وحدها، بل يجب أن يكون احتفاءً ثقافياً عاماً، لأن بقاء مجلة مثل «دراسات الطفولة العربية» يعني بقاء مساحة للتفكير الهادئ في زمن الصخب. ويعني أن الطفولة ما زالت تجد من يدافع عنها بالكلمات والبحوث، لا بالشعارات.

تحية لجاسم محمد صالح، الذي بذل ويبذل جهداً استثنائياً كي لا تنقطع هذه السلسلة، وتحية لهيئة التحرير ولكل من كتب وكتبت في هذه المجلة منذ عددها الأول وحتى الثلاثين، وتحية لمصممها الفنان علي الدليمي، وتحية للطفل العربي، الذي من أجله تصدر كل هذه الصفحات، والذي نتمنى أن يجد فيها يوماً ما مرآة تشبهه، وحكاية تشبه بيته، وسؤالاً يشبه قلبه الصغير الذي يسع العالم كله.ثلاثون عدداً مضت، ونتمنى أن تأتي ثلاثون أخرى، ليس لأننا نحب الأرقام المستديرة، بل لأننا نحتاج إلى من يذكرنا بأن المستقبل ليس في بورصة ولا في خطاب سياسي، بل في طفل يجلس الآن في غرفة صغيرة ويقرأ.


مشاهدات 27
الكاتب علي الدليمي
أضيف 2026/09/25 - 11:55 PM
آخر تحديث 2026/09/26 - 12:34 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 55 الشهر 43785 الكلي 16576305
الوقت الآن
السبت 2026/9/26 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير