بط وشط
منهل الهاشمي
زحفَ.. يزحفُ.. زحفاً.. فهو زاحف، هذا هو التصريف الثلاثي للفعل (زحفَ). والزحفْ معجميا لغويا يعني سير الزواحف ببطء شديد نحو طريدتها. اما إصطلاحيا باللهجة العراقية الدارجة فيعني تقرّب الشاب او الرجل نحو الفتاة او المرأة غزلا.. وكلاما معسولا...الخ. أي أنَّ المصطلح تعرّض في مفهومه الإصطلاحي الى الإنزياح وفق النظرية الشِعرية.. (مو الشَعرية) !!.
وأنْ يكون الزحف نحو النساء الجميلات في الواقع، وفي منصات الواقع الافتراضي من قبلهم فهذه مسألة مفهومة. لكن لوحظ مؤخرا تفشي حالات كثيرة منها وبنوع مغاير من قبل (البعض) من مدّعي الادباء والنقاد بالتهافت نحو البعض ممن يُحسبن على الادب والابداع، وفي سباق بدا اشبه بالماراثون، وسننحت له مصطلحا جديدا وهو (زحف ادبي). وانا هنا لا اقصد بالطبع إبداء الاعجاب والاشادة بالنص الادبي ومبدعته إنْ كان مستحقا وغنيا بالصور الأدبية والشعرية، والخطاب الجمالي المميز على صعيدي الشكل والمضمون، فهذه تستحق منا كل الإشادة والتقدير ورفع القبعات لها. لكنني اقصد البعض من المغالين في إبداء تعليقاته المليئة بالاعجاب حد التخمة، بنص هزيل كتبنه (كويتبات) او (شويعرات) لكنهن يتمتعن بالحسن والجمال.
معلقة ثامنة
فحتى لو نشرت حسناء قصيدة (يا بط.. يا بط... اسبح بالشط) ستجدهم من بين المئات من القراء ما بين تعليق وإعجاب : (اعجبني، سحرني، سحلني، دوّخني، دوهنني، سودنني، بهذلني، وموّتني...الخ). والبعض سيعّدها المعلقة الثامنة المكملّة لمعلقات الجاهلية السبْعْ... (عفية بالسَبِع). وسيشمّر عن ساعديه ليكتب فيها ما لم يقله مالك في الخمر، والآخر (سيشمُر) كتبه واوراقه بعيدا ويبقى مبحلقاً في جمالها الأخّاذ. ومنهم من سيكتب عنها دراسة نقدية ميتا حداثوية في الصحف والمجلات.. ويطوف بها في كل المناطق والمحلات. يجلو لنا فيها شفرات ودلالات القصيدة الرمزية، والعلامات السيميائية المستنبطة منها وفق النظرية اللغوية السوسيرية (اقروها زين مو عبالكم السرسرية). ومقاربة المتلازمة الثنائية للدال والمدلول : (البط والشط)، تُعّد علامة إشارية دالّة بأنّ ما دام هناك بط .. فيعني إذاً هنالك شط. مثلها كمثل نظيرتها العلامية للدخان التي تدل على وجود نار، وحتى المثل الشعبي يقول (لا دخان بلا نار) !. وهكذا سيستطرد صاحبنا تحليلياً وتأويلياً فيشّتط.. في قراءة قصيدة البط .. والشط باستنباط، واستقراء العمق الفلسفي والايديولوجي والبيئي... وعمق الشط. بِدءاً من الطلب من البط .. بالسباحة بالشط (يا بط.. يا بط... اسبح بالشط)، مرورا بتنبيه السمكة.. من خطر الشبكة (قُلْ للسمكة.. أتت الشبكة)، وضرورة المَيل عنها لتنجوا منها (مِيلي عنها.. تنجَيْ منها)، وفي ختامها المسكي العنبري يطلب منها الخُّف.. عند الجُرف (وعلى الجرفِ.. خفِ.. خفِ). ويذيّلها بوضع جداول وتخطيطات تضع المقارنة ووجه الشبه ما بين بطة القصيدة.. والشاعرة البطة.. اللي راكبة البطة.
لكن المصيبة ليست هنا، المصيبة ماذا لو أنّ صاحبنا الحالم، الناقد نسائيا.. (الناقم) رجاليا، يكتشف بأن هذه (الشاعرة) ليست بمشاعره.. شاعرة ؟!. وبعد كل هذا المجهود الكبير الخطير في الدراسة.. والفراسة.. وملء الكراسة. عندها تراه سيكتب نصا نارياً لاعناً فيه ام البط والشط .. (لابو) ابو السمكة والشبكة. تلك الشبكة اللعينة وهما العينَين الزرقاوين الساحرة التي اصطادته فوقع غريقا في بحرها. وكما يقول نزار قباني : الموج الأزرق في عينيه يناديني نحو الاعمق..... إني اغرق.. اغرق. وصاحبنا هو الآخر غرق في الشط.. وسط البط.. حتى غط .. لكن حمداً لله انه لم (ينقّط). وإذا كان بدلها الشاعر رجلا ولا يوده ولو بلا سبب، (لله في لله) كما يقول اشقاءَنا المصريين. فحتى لو كتب قصيدة تداني معلقة امرئ (الفيس) لنزل بها اسفل سافلين. وأعود مؤكداً بأنّ المقصود بهم البعض من مدعّي النقد الموضوعي والعلمي... علمك.
وكما يقال الشيء بالشيء يذكر، فهذا الموضوع ذكرني بمنشور مضحك في الفيس يقول فيه صاحبه (وحدة حلوة نشرت بالفيس : إظفري إنكسر. إجاها 15 ألف لايك وتعليق : سلامتج، حمد الله على السلامة، دفع الله ما كان أعظم... الخ. وآني نزلت منشور : انكَلبت بية السيارة. بس واحد علقلي : تراوس المحرك ؟!).
□ كاتب وأكاديمي