توحيد البيشمركة.. خلافات الإقليم وسؤال السلاح
محمد علي الحيدري
جاء إعلان توحيد قوات البيشمركة في 21 أيلول في توقيت بالغ الحساسية. فإقليم كردستان لم يحسم بعد خلافاته بشأن تشكيل حكومته الجديدة، والعراق يقترب من موعد 30 أيلول وسط نقاش محتدم حول حصر السلاح بيد الدولة. ولهذا لا يمكن قراءة الخطوة بوصفها شأناً تنظيمياً يخص وزارة البيشمركة وحدها؛ فقد أصبحت جزءاً من سؤال عراقي أوسع عن علاقة القوة المسلحة بالمؤسسة السياسية التي تتولى قيادتها.
أعلنت رئاسة الإقليم إدخال جميع قوات البيشمركة ضمن هيكل وزارتها، ومباشرة قيادتي المنطقتين العسكريتين الأولى والثانية مهامهما. وتستحق الخطوة التقدير، لأنها تتوج مساراً بدأ قبل سنوات، وعالج انقساماً ظل يلقي بظلاله على عمل هذه القوات. لكنها تُقاس، من الآن فصاعداً، بمدى وحدة القرار والأوامر والترقيات والانضباط، وهي المعايير التي أشار إليها رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني في كلمة الإعلان، لا بمجرد اجتماع الوحدات تحت اسم وزارة واحدة.
تكمن المفارقة في أن الحزبين الرئيسيين استطاعا التقدم في ملف أمني شديد الحساسية، بينما لا يزالان مختلفين على صيغة الحكم والشراكة في الحكومة المقبلة. وقد أظهرت تصريحاتهما في 22 أيلول استمرار التباين بشأن أسس التفاوض وتوزيع المسؤوليات. ولا يُبطل الخلاف السياسي قيمة الإنجاز العسكري، لكنه يضع أمامه اختباراً: هل تستطيع المؤسسة الموحدة الاحتفاظ باستقلال قرارها المهني حين تتجدد المنافسة بين القوى التي ساهمت في بنائها؟
ومن هنا يكتسب تشكيل الحكومة أهمية تتجاوز توزيع المناصب. فقوات موحدة تحتاج إلى موازنة واضحة، وإشراف سياسي مسؤول، وقواعد معلنة للتعيين والمساءلة. كما تحتاج الحكومة الجديدة إلى الاطمئنان إلى أن القوات التابعة لها لا تعود إلى الاصطفاف الحزبي عند أول خلاف بين شركائها. إن تحويل اتفاق التوحيد إلى ممارسة يومية هو ما سيجعل منه مكسباً دائماً للإقليم.
أما على المستوى العراقي، فقد تزامن الإعلان مع الضغوط المتعلقة بسلاح الفصائل. وسبق أن استُخدم وضع البيشمركة في الاعتراض على مطالبة جماعات مسلحة أخرى بتسليم سلاحها. غير أن الدقة تقتضي التمييز بين المسألتين: التوحيد الذي أُعلن ينظم البيشمركة تحت قيادة وزارة الإقليم، ولا يحسم وحده طبيعة علاقتها القيادية بالمؤسسات الدفاعية الاتحادية. وفي الوقت نفسه، لا يصح أن يتحول بقاء هذا السؤال موضع نقاش إلى سبب لتعطيل معالجة السلاح خارج مؤسسات الدولة. لكل ملف أساسه الدستوري ومساره العملي، وكلاهما يستحق حواراً واضحاً بعيداً عن تبادل الشروط.
لقد أثبت توحيد البيشمركة أن تجاوز انقسام طويل ممكن حين تتوافر الإرادة والعمل المؤسسي. والخطوة التالية هي حماية هذا الإنجاز بحكومة قادرة على الحكم، وبعلاقة أمنية أكثر وضوحاً بين أربيل وبغداد. بذلك يصبح التوحيد إضافة إلى استقرار الإقليم والعراق، لا مجرد حدث مهم وقع في أسبوع سياسي مزدحم.