الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
نورٌ تحت الركام.. الصحة بعد 110 أيام من الإصلاح المعلن وإختبار المؤسسة

← بواسطة azzaman

نورٌ تحت الركام.. الصحة بعد 110 أيام من الإصلاح المعلن وإختبار المؤسسة

علاء الطرفي

 

«أنا لا أكتبُ الأرضَ تُباعُ وتُشترى،

بل الأرضَ تُقرأُ بالدمع والإيمان.»

— نزار قباني

في ردهات وزارة الصحة العراقية، حيث يلتقي المريض الباحث عن دواء، والخريج المنتظر فرصة عمل، والأم القلقة على طفلها، لا تبدو المهمة مجرد إدارة وزارة أو توقيع معاملات. إنها محاولة لاستعادة معنى الدولة في اللحظة التي يحتاجها المواطن أكثر من أي وقت آخر. وكأن الدكتور عبد الحسين الموسوي، منذ تسلمه الحقيبة في 14 مايو 2026، يحاول أن يعيد كتابة قصيدة نزار قباني نفسها، ولكن لـ»قدس» أخرى: القدس العراقي المقدس، وهو روح المواطن العراقي، حيث المريض الذي لا يجد دواءه، والخريج الذي ينتظر وظيفته، والأم التي تخاف على طفلها. إنها قدسية الإنسان العراقي، ذلك الكائن الذي أنهكته الحروب والأزمات، ولم يعد يملك سوى جسده المريض وروحه المتعبة التي تبحث عن طوق نجاة.

نحن نحلم كثيراً.. ولكن قليلون من يعيشون حلمهم. أيها الموسوي، عش حلمك.اليوم، ونحن في الأول من سبتمبر، لم يمضِ على توليه المنصب سوى 110 أيام، وهي كافية لأن نرى بوضوح ملامح التحديات التي واجهها، والإنجازات التي استطاع تحقيقها رغم قصر المدة وضيق الإمكانيات. لكنها، في أفضل توصيف لها، بداية اختبار: هل يمكن أن يتحول الحضور الشخصي والإرادة الإدارية إلى نظام مؤسسي يضمن حق المواطن في العلاج، ويعالج مظلومية الخريجين، ويعيد ضبط الإنفاق والعقود؟

تركه ثقيلة

أولاً: تركة ثقيلة قبل بداية الإصلاح

لم يتسلم الوزير وزارة تعمل في ظروف مستقرة، بل جهازاً صحياً يواجه ملفات متداخلة: عقود عالية الكلفة، نقص في التمويل الدوائي، مستشفيات غير مكتملة، هجرة كفاءات، تراجع في ثقة الناس، وضغط متصاعد من خريجي المهن الطبية المطالبين بالتعيين المركزي.

1. إرث الفساد وهدر المال العام

كشفت الوزارة عن عقود لإدارة ثمانية مستشفيات من قبل شركات أجنبية، تصل كلفة الواحد منها إلى نحو 5 مليارات دينار شهرياً، مع ملاحظات على مستوى الخدمات المقدمة. وأعلن الوزير رفض تجديد هذه العقود بالشروط السابقة. وإذا كانت هذه الخطوة بداية لمراجعة حقيقية، فإن قيمتها لا تقف عند إعلان الرفض؛ بل تقاس بما سيأتي بعده: هل ستنخفض الكلفة؟ هل ستتحسن الخدمة؟ هل ستُنشر العقود الجديدة أو البدائل الإدارية بصورة شفافة؟ وقد أشار الوزير إلى وجود تفاوت هائل في أداء المؤسسات، مستشهداً بمستشفى العلوم العصبية الذي يُدار بـ45 مليون دينار شهرياً ويقدم خدمات طيبة، مقابل مستشفيات أخرى تُصرف عليها مبالغ أكبر بأضعاف لكن خدماتها متردية، معتبراً أن العبرة تكمن في النوايا المخلصة والنزاهة وحسن إدارة الموارد، لا في حجم الإنفاق فقط.

وفي ملف الضمان الصحي، أثيرت ملاحظات بشأن ارتفاع كلفة بعض الفحوصات مقارنة بطبيعة الحالات، مقابل محدودية تغطية العمليات ذات الكلفة العالية، ومنها زراعة الأعضاء. وهذا يطرح سؤالاً أكبر من مسألة فاتورة طبية: هل يعمل نظام الضمان الصحي بوصفه أداة لحماية المواطن، أم أنه يحتاج إلى إعادة تصميم في التسعير والإحالة والتغطية والرقابة؟ وتشير المعطيات إلى أن الوزارة بدأت فعلاً بتوسعة نظام الضمان الصحي، حيث أطلقت الشهر الماضي خدماته في محافظات النجف وكربلاء والبصرة، مع استعدادات لتشمل نينوى والأنبار وذي قار خلال الفترة القليلة المقبلة، وبوشر بتوزيع نحو 40 ألف بطاقة ضمان صحي في نينوى كإجراء استباقي.

2. أزمة مالية خانقة: «فلوس ماكو»

بصراحة نادرة، وصف الوزير الوضع المالي بأنه شديد الصعوبة، حيث الأولوية الحكومية للرواتب على حساب كل شيء آخر. فقد أشارت المصادر إلى أن الشركة العامة لتسويق الأدوية والمستلزمات الطبية، «كيماديا»، لم تحصل إلا على 15% من مخصصاتها، فيما لم يتجاوز تمويل برنامج الأورام في نينوى، في إحدى الفترات، 3 ملايين دينار شهرياً. إن صحت هذه المعطيات وفق الوثائق الرسمية، فإنها لا تصف مشكلة إدارية عابرة، بل فجوة حقيقية بين الاحتياجات الصحية للمواطنين والموارد المتاحة للدولة. وأكد الموسوي أنه يمتلك الشجاعة لمصارحة الكوادر الصحية والشارع بشأن هذا الواقع، مبيناً أن المطالبة بأداء متميز ترتبط بشكل أساسي بالإمكانيات المتاحة.

3. شبه انعدام الثقة بين المواطن والمؤسسةتراكمات سنوات من الإهمال، والأخطاء الطبية دون رقابة، وفشل العقود في تقديم خدمات ملموسة، كلها عوامل جعلت المواطن ينظر إلى النظام الصحي بعين الشك، ودفعته للبحث عن علاج في القطاع الخاص أو الخارج. نظام الضمان الصحي، الذي بدأ باقتطاع مبالغ من الرواتب دون تقديم خدمات واضحة، زاد من عمق هذه الأزمة بدلاً من حلها. ويبدو أن الحكومة تستشعر هذا التحدي، حيث أطلق رئيس الوزراء علي الزيدي شعار «الصحة أولاً»، وتعهد بمواصلة تطوير المعايير الصحية وتجهيز المؤسسات بأحدث التقنيات، مع التأكيد على أهمية تحسين إدارة المؤسسات والاستفادة من خبرات الشركات الدولية المتخصصة.

4. تحديات بنيوية مستعصية

مستشفيات غير منجزة، ونقص حاد في الأطباء (0.8 طبيب لكل ألف مواطن)، وهجرة الكفاءات، وضغوط قانون التدرج، إضافة إلى عبء إدارة وزارة التعليم العالي بالوكالة، كلها ملفات ثقيلة لا تُحل في أسابيع. وقد أقر الوزير بأن استكمال الكابينة الوزارية يرتبط بالأوضاع الإقليمية، لكنه شدد على أن العراق يحتاج إلى وزراء أصلاء للتصدي للأزمات. ورغم ذلك، أعلنت الوزارة عن افتتاح أكثر من 20 مستشفى مؤهلاً في بغداد والمحافظات، مع استمرار إعادة تأهيل المئات من مراكز الرعاية الصحية، ضمن استراتيجية للاتجاه نحو الاستقدام وتطوير البنى التحتية للخدمات العلاجية، بدلاً من سياسة إخلاء المرضى إلى الخارج.

ثانياً: «الأبناء» والميزانية.. أزمة الخريجين

اطباء اكفاء

لعل أكثر الملفات حساسية هو ملف خريجي المهن الطبية. فهؤلاء لا يطالبون بامتياز رمزي، بل بفرصة عمل في قطاع يعاني نقصاً في الأطباء والكفاءات. لكن حق التعيين يواجه في الوقت نفسه قيوداً مالية وإجراءات حكومية لا تملك وزارة الصحة وحدها تجاوزها. وقد تعهد الموسوي، في ظهوره الأول بعد تسلمه الحقيبة، بالسعي لإيجاد معالجات حقيقية وعاجلة لملف تعيينات ذوي المهن الصحية، على اعتبارهم الركيزة الأساسية في النظام الصحي.

شهدت الوزارة احتجاجات متصاعدة لخريجي دفعات 2023 و2024 و2025، وقدّر ممثلو المحتجين عدد المنتظرين بنحو 200 ألف خريج. وطالبوا بتطبيق قانون التعيين المركزي. ورد الوزير عليهم بلغة أبوية وإنسانية حين خاطبهم بعبارة «أبنائي»، مؤكداً سعيه لإيجاد مخرج للملف، لكنه اصطدم بموقف مالي يقيّد التعيينات الجديدة في ظل الضائقة العامة.

وهنا يظهر الفرق بين دور وزارة الصحة ووزارة التخطيط ووزارة المالية، فالقرار النهائي يتطلب تشريعاً وتفاهماً حكومياً، وليس إرادة وزارية منفردة.

وبحسب المصادر، خاطبت وزارة الصحة وزارة المالية ومجلس الوزراء لطلب إدراج الآلاف من الخريجين ضمن تعيينات موازنة 2027. وهذه خطوة سياسية وإدارية مهمة، لكنها تبقى في مستوى المطالبة الرسمية ما لم تتحول إلى بند موازنة واضح، وجدول زمني للتنفيذ، وآلية عادلة وشفافة للتوزيع بين المحافظات والاختصاصات. كما أكد الموسوي أن هذه المسألة يجب أن تناقش أثناء تقديم مشروع قانون موازنة 2027، وهو ما يُظهر إدراكاً لأهمية الربط بين المطالبة والإطار الزمني المعلن.

 

ثالثاً: لقاءات الأربعاء والثلاثاء.. بين الصورة والإجراء

من أكثر مبادرات الفترة الأولى حضوراً في المجال العام لقاءات المواطنين الأسبوعية. ففي يوم الأربعاء، يستقبل الوزير المرضى والمراجعين والمنتسبين، ويستمع إلى شكاواهم وطلباتهم. وامتدت الفكرة إلى دوائر الصحة في بغداد والمحافظات من خلال تخصيص يوم الثلاثاء لاستقبال المواطنين والموظفين.

لهذا النمط قيمة حقيقية. فالمواطن الذي عالق بين المراجعات والطلبات والإحالات قد يجد في الاستقبال المباشر فرصة لعرض مشكلته من دون وسطاء. كما أن المسؤول حين يستمع مباشرة إلى مريض أو ذوي مريض أو موظف، يرى ما قد لا تظهره التقارير الورقية.

أشارت المصادر إلى استقبال 5231 مواطناً في أحد أيام الأربعاء، مع الموافقة على نسبة كبيرة من طلباتهم. الرقم، إذا ثبت في سجلات الوزارة، يكشف من جهة حجم الإقبال والثقة بالقناة المباشرة، لكنه يكشف من جهة أخرى حجم التراكم في المشكلات التي لم تجد طريقها الطبيعي للحل داخل المؤسسات.

 

من توجيه رئاسي إلى فعل وزاري

ما يجعل هذه التجربة أكثر دلالة هو أنها تأتي في سياق توجيهات صريحة من رئيس الوزراء علي الزيدي، الذي وجّه الوزراء «بإيلاء الاهتمام اللازم للاستقبال المباشر للمواطنين والاستماع لهم ومتابعة شكاواهم، وضرورة مراجعة الإجراءات الخاصة بإنجاز معاملات المواطنين في دوائر الدولة وتقليل الروتين». هذا التطابق بين التوجيه الرئاسي والفعل الوزاري هو الذي يجعل من لقاءات الأربعاء دليلاً على تغيير منهجي في ثقافة الحكم.

لكن لقاء الأربعاء لا ينبغي أن يبقى مناسبة إنسانية أو مشهداً إعلامياً مؤثراً. قيمته الحقيقية تبدأ بعد انتهاء اللقاء، عندما يتحول الطلب إلى معاملة قابلة للتتبع. ولتحقيق ذلك، تحتاج الوزارة إلى بناء نظام متابعة واضح يتضمن:

· رقم متابعة موحد لكل طلب أو شكوى.

· تصنيف دقيق للطلبات: علاج، دواء، إحالة، نقل، شكوى إدارية، تعيين، أو خدمة أخرى.

· جهة مسؤولة محددة عن التنفيذ والمتابعة.

· سقف زمني معلن للاستجابة بحسب نوع المعاملة.

· تحديث دوري يوضح عدد الطلبات المنجزة والمتأخرة وأسباب التأخير.

· مساءلة إدارية للجهات التي تعطل التوجيهات أو تترك معاملات المواطنين بلا جواب.

عندها فقط تتحول اللقاءات من نافذة شخصية يفتحها الوزير إلى باب مؤسسي لا يُغلق في غيابه.

 

رابعاً: الإنجازات.. خطوات على أرض صعبة

رغم كل هذه العقبات، استطاع الوزير في أقل من أربعة أشهر أن يثبت أن الكفاءة الإدارية والشفافية يمكن أن تصنعا فرقاً، حتى في أصعب الظروف.

 

1. مواجهة الفساد والمحاسبة الميدانية

· مراجعة العقود المجحفة: أعلن رفضه لتجديد عقود إدارة المستشفيات الأجنبية الباهظة، متخذاً من مستشفى الفضيلية، الذي يُدار بكلفة سنوية لا تتجاوز 10 مليارات دينار ويقدم خدمات متقدمة، نموذجاً للكفاءة.

· الرقابة الميدانية: اشتهر بزياراته المفاجئة التي أسفرت عن إقالة مدير مدينة الإمامين الكاظمين الطبية على خلفية إهمال، في رسالة واضحة بأن الرقابة مستمرة.

· إعادة هيكلة الضمان الصحي: أوقف تجديد عقود المستشفيات غير الملتزمة، وأعاد توجيه التمويل نحو العمليات مرتفعة الكلفة.

 

2. إنجازات ميدانية رغم الأزمة المالية

· البنية التحتية: أعلن عن جاهزية 6 مستشفيات جديدة للافتتاح قبل نهاية 2026، بهدف تقليل الاعتماد على العلاج بالخارج. وقد أشارت المصادر إلى افتتاح أكثر من 20 مستشفى مؤهلاً في مرحلة سابقة، واستمرار إعادة تأهيل المئات من مراكز الرعاية الصحية، رغم المعوقات المادية.

· الشراكات الدولية: أطلق برنامجاً بالشراكة مع بريطانيا والأمم المتحدة، أسفر عن إنشاء 15 مركزاً صحياً نموذجياً متكاملاً، مع نظام إلكتروني وخط ساخن للاستشارات النفسية.

· إدارة الأحداث الكبرى: قاد الخطة الصحية لزيارة أربعينية الإمام الحسين، حيث تم نشر أكثر من 1080 مفرزة طبية و3080 سيارة إسعاف، وقدمت خدماتها لأكثر من 4.2 ملايين مراجع.

· الكفاءة في أصعب الظروف: أجرى مستشفى ابن البيطار لجراحة القلب 375 عملية قلب مفتوح وحوالي 7 آلاف تدخل جراحي بإمكانيات محدودة للغاية. وقد دشن رئيس الوزراء مؤخراً مركزاً متطوراً للرنين المغناطيسي والأشعة المقطعية في المستشفى نفسه، يُعد الأول من نوعه في العراق، ويضم أنظمة تشخيصية متقدمة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي، بهدف تعزيز الأداء التشخيصي وتسريع الإجراءات وتقليل حاجة المرضى للسفر للخارج.

 

3. إعادة الشركات الدوائية العالمية

في خطوة استراتيجية، أجرى الوزير لقاءات في الإمارات مع شركة GSK البريطانية، عملاقة الأدوية السرطانية واللقاحات، والتي كانت قد انسحبت من السوق العراقية، وتم الاتفاق على إعادة نشاطها، بمساعدة السفير البريطاني، على أن يزور ممثلوها بغداد منتصف تشرين الأول لإتمام الترتيبات النهائية. هذا الإنجاز يمكن أن يحدث تحولاً جذرياً في ملف الدواء، عبر بناء منظومة تنافسية قائمة على الجودة والسعر.

 

خامساً: الموسوي بين نزار والطبيب الريفي.. شخصية جمعت بين الطب والإدارة

خلال 110 أيام، بدأت ملامح شخصية الموسوي تتكشف بوضوح، متجاوزة حدود المنصب إلى فضاء إنساني أوسع. إنه ليس وزيراً تقليدياً، بل شخصية تذكرنا بنماذج جمعت بين العلم والحكمة، كابن سينا الذي جمع بين الطب والفلسفة، والإدارة والسياسة.

فالموسوي، بحسب وصف وزير صحة إقليم كوردستان سامان برزنجي، يتمتع بـ»شخصية إنسانية ومخلصة»، مع خبرة تخصصية في طب المجتمع والوبائيات، إلى جانب عمله البرلماني السابق في لجنة الصحة والبيئة، مما يجعله أقرب إلى نموذج «الطبيب الحاكم» الذي يدرك تفاصيل المشكلة من الداخل.

في لحظاته الإنسانية، حين يقف بين المرضى والمتظاهرين، يتحول الموسوي إلى تجسيد حي لقصيدة نزار قباني عن القدس. وكأنه يريد إنقاذ القدس العراقي المقدس، روح المواطن العراقي، ذلك الكائن الذي يحمل في داخله تراثاً من الألم والصبر، ولا يملك سوى جسده المريض وروحه المتعبة. إن كلمة «أبنائي» التي يخاطب بها المتظاهرين، ووقوفه وسط المرضى في لقاءات الأربعاء، هي امتداد لتلك الروح الشعرية التي ترى في المواطن أكثر من مجرد رقم أو ملف إداري. «نور تحت الركام» هو ترجمة عصرية لتلك الروح، حيث يحاول أن يكون نوراً في ظلام الإهمال، وأن يلملم جراح مؤسسة شبه منهزمة.

وفي مشهد آخر، حين يستمع بشغف إلى شكوى مريض أو يلمس كتف متظاهر، يذكرنا الموسوي بذلك الطبيب الريفي في قصص أنطون تشيخوف، الذي لا يملك دواءً دائماً، لكنه يملك أذناً صاغية ويداً دافئة، ويحاول أن يخفف الألم بقدر ما يستطيع. هو طبيب يدير وزارة، لكنه يصر على أن يكون حاضراً في الميدان، كما يفعل أي طبيب حقيقي: يسمع، يشخص، ويحاول العلاج، حتى لو كانت الأدوية غير متوفرة دائماً.

هكذا يبدو الموسوي: شاعر يحاول إنقاذ قدسه، وطبيب ريفي يواسي مرضاه، وإداري يجمع بين خبرة البرلمان وتخصص الصحة العامة، وهو في الوقت نفسه وزير يحارب الفساد في وزارة مثقلة بالجراح.

 

سادساً: رحيل محب في زمن المعركة

في خضم هذه المعركة اليومية، بين ملفات الفساد وعقود المستشفيات ولقاءات الأربعاء وصراع الميزانية، جاءت لحظة إنسانية خالصة، كشفت عن إنسان يختبئ خلف لقب الوزير.

في الأيام الأخيرة من شهر آب 2026، رحلت والدة الدكتور عبد الحسين الموسوي، بعد رحلة عمر، لتلفظ أنفاسها الأخيرة على أحد أسرة المستشفيات التي يعيش هو حلم إصلاحها. في مشهد مهيب، وقف الوزير فوق جثمان والدته، يبكي بشجن لم يره فيه أحد من قبل. كان وكأنه يريح نفسه عند بكائها، بعد كل هذا الجهد، وكل هذا التعب، وكل هذه المعارك التي خاضها وحيداً تحت ركام الفساد.

في تلك اللحظة، لم يكن الموسوي وزيراً يصدر الأوامر، ولا مسؤولاً يتخذ القرارات، ولا ثائراً على الفساد. كان مجرد إنسان، ابن يودع أمه، يستودعها دموعه التي حملت كل ما في قلبه من ألم وحنين. كان وكأن بكاءه عليها هو بكاء على نفسه المنهكة، وعلى أحلامه التي يزرعها في أرض يباب، وعلى «أبنائه» المحتجين الذين ينتظرون وعوده أن تتحول إلى تعيينات في موازنة بعيدة.

مشهد البكاء على سرير المستشفى، حيث الأم ترحل في مكان كانت هي نفسها قد تكون يوماً مريضة فيه، هو أقصر طريق لفهم هذه الشخصية المعقدة. إنه الرجل الذي يبكي على والدته في مستشفى يعيش حلم إصلاحه، كما لو أن روحها ستظل حاضرة هناك، شاهدة على معركته، ومباركة لخطواته، ومؤنسة لوحدته في زمن المعركة.

عش حلمك أيها الموسوي، فالرحيل ليس نهاية، والدمع ليس ضعفاً، والأبناء ينتظرون نورك تحت الركام.

 

سابعاً: من صورة الوزير إلى قوة الدولة

للمسؤول حضور إنساني مهم؛ فالمريض لا يريد أن يشعر بأنه رقم، والخريج لا يريد أن يُعامل بوصفه ملفاً مؤجلاً، وموظف الصحة يحتاج إلى إدارة تسمع قبل أن تحاسب. لكن الدولة لا تُبنى على التعاطف وحده، كما لا تُبنى على البطولة الفردية مهما كانت النوايا طيبة.

ما تحتاجه وزارة الصحة ليس فقط وزيراً يستقبل المواطنين، بل منظومة تستقبلهم كل يوم. ليست بحاجة إلى إعلان رفض عقد مكلف فقط، بل إلى نظام تعاقدات شفاف يمنع تكرار العقود المجحفة. وليست بحاجة إلى وعود مطمئنة للخريجين فحسب، بل إلى سياسة تشغيل وطنية تربط مخرجات التعليم الصحي بحاجات المؤسسات الصحية وقدرة الدولة المالية، وهذا يتطلب تشريعاً حكومياً وتنسيقاً مع وزارة التخطيط ووزارة المالية.

 

الخاتمة: التحول الحقيقي.. بداية قوية لا نهاية معلنة

في فترة لا تتجاوز أربعة أشهر، رسم الدكتور الموسوي ملامح نهج واضح: كشف الفساد، والمحاسبة الميدانية، والإنجاز رغم الشح المالي، والانفتاح على المواطن عبر لقاءات أسبوعية، وموقف إنساني من «أبنائه» المحتجين. التحديات التي ورثها كانت ضخمة، وما تم إنجازه حتى الآن يعكس إرادة حقيقية للتغيير.

لقاءات الأربعاء التي تستقبل آلاف المواطنين، وتستمع لمشاكلهم وتحلها مباشرة، إلى جانب الإنجازات في مواجهة الفساد وتطوير البنية التحتية وإعادة الشركات العالمية، ليست مجرد نشاط إعلامي، بل دليل عملي على تغيير إصلاحي في نهج الحكم، يتوافق مع رؤية حكومة الزيدي التي تعهدت بأن «ملف الخدمات والبنى التحتية لن يبقى رهين الوعود المؤجلة، بل سيكون ميداناً للعمل الحقيقي».

نعم، كان هناك نور تحت الركام، وهذا النور بدأ يطل. لكن يبقى السؤال الأصعب: هل يستطيع هذا النور أن يضيء أيضاً طريق «أبناء» الموسوي المحتجين، الذين ينتظرون وعوده أن تتحول إلى تعيينات في موازنة 2027، أم أن الأزمة المالية ستظل جداراً صلباً يحجب هذا النور عنهم؟

الموسوي بدأ ما لم يجرؤ غيره على بدئه. والآن، يبقى على الجميع - الحكومة والمجلس والمواطن - أن يحمي هذا النور، وألا يتركه يخبو تحت ركام الأزمات القادمة.

رحلت والدته، لكن معركته مستمرة. وعوده لأبنائه لم تنتهِ بعد. فهل يتحقق حلمه كما تحقق حلم الشاعر بقصيدته؟

 

فالتغيير الحقيقي ليس حدثاً يمر، بل مسار يُصان. وهذا المسار قد بدأ للتو.


مشاهدات 34
الكاتب علاء الطرفي
أضيف 2026/09/25 - 11:38 PM
آخر تحديث 2026/09/26 - 12:15 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 28 الشهر 43758 الكلي 16576278
الوقت الآن
السبت 2026/9/26 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير