الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قانون المحبة

بواسطة azzaman

قانون المحبة

محمد زكي ابراهيم

 

تعلمنا ونحن صغار، أن نحترم الكبير، ونهابه، ونتودد إليه، ولا ندع وسيلة لإظهار تقديرنا له إلا سلكناها، ولا بوابة لإظهار الولاء إلا طرقناها، لأن مثل هذا السلوك، فضلاً عن أنه دليل التربية الحسنة، والنشأة الراقية، فإنه يجلب عطف الآخر، ومحبته، وتسامحه، واهتمامه.

وحينما كبرنا، وجدنا أن هذا التعامل هو ظاهرة اجتماعية وتربوية ومهنية، وأن الموظف الصغير الذي يتصرف بأدب جم مع رؤسائه، ويؤدي واجبه بكل حرص وأمانة، يجد لديهم الشعور ذاته، أما إذا أظهر بعض الفظاظة، أو تصرف بخشونة طبع، أو طفح به الكيل في موقف ما، فلن يناله سوى الإجحاف، ورد الفعل القاسي، وأحياناً العقوبة المشددة.

مثل هذه الظواهر يعرفها الناس في جميع أنحاء العالم، لأنهم مروا في حياتهم بأنماط منها، وتصل أحياناً إلى مستوى الزعامات والقيادات الإدارية، فما يصح على الموظف المسكين، يصح على ولاة أمره أيضاً، وما يتعرض له من تعنيف أو لوم، يتعرض له هؤلاء بالعزل، أو السجن، وأحياناً الإعدام!.

لكن ما جال في خاطري لا يتعلق بالأفراد وحدهم، بل بالمجتمعات ككل.

فهناك على الدوام مجموعات صغيرة، وأغلبية كبيرة.

ويتحكم مبدأ الاحترام والانقياد بالوضع ذاته، فليس من المناسب أن تحاول الأولى استفزاز الثانية، ولا أن تتمدد على حسابها.

وليس من المعقول أن تعبث بالأمن والنظام، بحجة أو بأخرى، وهي تعلم أنها لن تحصل بذلك على ما تريده.

وربما يحيق بها الضرر أو ينزل بها العقاب، أما إذا تصرفت بشكل ودي، ومدت جسور المحبة، وتناست خلافاتها العقائدية وامتداداتها العرقية، فستحصد نتيجة ذلك الدعم والمحبة والتبجيل.

والأمثلة على ذلك كثيرة. فقد مرت شعوب أوربا بظروف شاذة، وتعرضت لانقسامات مذهبية، وعصفت بها الإقطاعات والإمارات الصغيرة، لكنها وجدت بعد سنوات طويلة أنها لم تحصد سوى الفوضى والخراب.

وكان أن وضعت كل مقدراتها على عاتق الأغلبية، وآمنت أنها ستنهض بالبلاد والعباد، وتقيم العدل والإنصاف.

وهذا ما حدث في ألمانيا وإيطاليا وروسيا، وغيرها من دول الشمال.

وقد مر العراق بظروف مشابهة بعد تفكك الإمبراطورية العثمانية، التي أثقل وجودها كاهل العراقيين، وتنفسوا الصعداء سنوات قليلة، عرفوا فيها طعم الوداد والمحبة، ولو في درجاته الدنيا.

لكن الأمور سرعان ما انقلبت رأساً على عقب بعد مدة، وبدأت الأقليات بالتعامل مع الجماعة بنوع من التمرد، والقمع، وإثارة الفتن، دون أن تدرك أن قوانين التاريخ لا تتغير، وأن التعامل بقدر من الولاء والاحترام، سيرفع من رصيدها الشعبي.

ومن الطبيعي أن يستغل الأعداء هذه الظروف، ويثيروا الفتن، ويشجعوا المجموعات الصغيرة على الثورة، فتبتهج بعض الأطراف، وتملؤها الفرحة، دون أن تدرك أنها الخاسر الأكبر في جميع الأحوال، لأنها ستفقد أثمن ما تملكه، وهو محبة الغير، والاندماج مع الأخوة، والشروع في بناء الحضارة، وتقوم من أجل ذلك بالتحالف مع قوى خارجية، لزحزحة الكبار عن موقع القرار، وهي تعلم أنها ستتخلى عنها في يوم من الأيام.

إن الخلافات والفتن والحروب لا يوقفها التحالف مع الأعداء، بل الاندماج مع الأقرباء، والثورة الناجحة لا تقوم برفع السلاح، وإثارة الخصومات، بل بالمحبة والتعاون مع الأشقاء، فهؤلاء بحكم كثرتهم العددية، ووجودهم الكثيف سيكونون ميالين لمن يبادلهم الود، ويمحضهم النصيحة.

ولست أرى في بلادنا ما يختلف عن هذا في قليل أو كثير، فإن خفض الصوت لا يشي الضعف، والانقياد للكبير لا يعني الذل، بل هو دليل على الفهم العميق لقوانين التاريخ، وهو السبيل الوحيد والأمثل لبناء مجتمع فاضل، هانئ ومستقر، يعيش أبناؤه في طمأنينة وعز، ويسيرون بثبات نحو الرفاهية والتقدم.

 


مشاهدات 32
الكاتب محمد زكي ابراهيم
أضيف 2026/09/19 - 2:41 PM
آخر تحديث 2026/09/20 - 1:34 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 229 الشهر 33305 الكلي 16565825
الوقت الآن
الأحد 2026/9/20 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير